هنا قال: ( {وَقَضَى رَبُّكَ} ) قد يقول قائل: أن الخطاب موجه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأمته هل الحكم لاحق لهم أم لا؟ لو قال وقضى ربك ألا تعبد إلا إياه، قد يقول قائل المخاطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته منفكة عن هذا الحكم، نقول: لا الصواب أن ما خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقًا إلا إذا دل دليل على اختصاصه فأمته لاحقة به في الحكم لا في اللفظ لأنه إذا قال: ( {وَقَضَى رَبُّكَ} ) ، ( {رَبُّكَ} ) هنا مضاف ومضاف إليه فيه تخصيص، حينئذٍ هل لفظ ... ( {وَقَضَى رَبُّكَ} ) يشمل النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ نقول: هذا قطعًا لأنه يدل عليه بدلالة المطابقة، وأما أمته فلو لم يأت العدول عن المخاطب بالمفرد إلى الجمع قد يقال بثَمَّ اختصاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلو قال: وقضى ربك ألا تعبد هكذا بالإفراد نقول: هذا قد يقال بأنه خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا من باب التَّنَزُّل فحسب وإلا كونه عدل عن المفرد إلى الجمع دل على أن أمته مثله في الحكم، وهذا كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} [الطلاق: 1] {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} واحد، الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: {إِذَا} إذا طلقت أو طلقتم؟ {طَلَّقْتُمُ} لماذا عدل من الإفراد إلى الجمع؟ للدلالة على أن الأمة حكمها حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} ... [التحريم: 1] ثم قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] كان الخطاب لواحد ثم جمع للدلالة على أن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - حكمه كحكم النبي عليه الصلاة والسلام، إلا إذا دلّ دليل، ولذلك أجمع الفقهاء على أنه لا يُدَّعَى الخصوصية بشيء ما إلا بدليل، ولذلك كثير ما تجده في شرحات أحاديث الأحكام وغيرها تجد أن هذه حصل تعارض هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا بالأمة، نقول: هذا لا يقبل إلا إذا وجد دليل واضح بيّن يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يشمله هذا الحكم، وإلا الأصل يكون معه، وأما إذا كان فيه قرينة مثل العدول هذا الذي ذكرناه هذا بالإجماع ما فيه خلاف بين أهل العلم ليس فيه خلاف بين أهل العلم أنه إذا وُجِدَت قرينة في اللفظ ومنها العدول من الخطاب المفرد إلى الجمع كالآيتين المذكورتين، فهذا محل وفاق بين أهل العلم أن أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - كالنبي في الحكم المذكور، وإنما ذكرت الأمة فحسب ولم يكن خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - فمحل نزاع هذا محل خلاف. إذا نص على الخصوصية {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] واضح بيّن أن خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - محل إجماع، إذا خُصَّت الأمة جاء النص خاص محل إجماع لا يشمل النبي - صلى الله عليه وسلم -.