فهرس الكتاب

الصفحة 1342 من 2014

شيئًا نكرة في سياق النفي فتعم، فكل مسألة في أي عصر هي داخلة في منطوق أو مفهوم الكتاب والسنة، فليس عندنا مسألة لا وجود لها البتة في الكتاب ولا في السنة، لأنه إما أن يدل عليها بالمنطوق أو بالمفهوم أو بدلالة التزام أو بالعقل، والعقل المراد به هنا القياس، وإذا كان كذلك فالقياس حجة شرعية رجعنا إلى الشرع، وأما ما عداه فالأصل فيه العدم، فمثل هذه الأقوال التي يُذكرها ابن القيم كثير رحمه الله تعالى دون أن تكون معتمدة على قولٍ لا تُؤخذ هكذا مسلَّمةً يعني يُنظر فيها وخاصة فيما يتعلق بأعمال القلوب، فإن كثيرًا ممن تكلم في هذه المسألة هم الصوفية سواء كان الصوفية الأول كما قال الشاطبي في (( الاعتصام ) )أو من بعدهم، هذا أو ذاك كل منهم يعرض كلامه على الكتاب والسنة، منه المقبول ومنه المردود، وأما أن نأتي بأقوال هكذا مرسلة نقول: هذا ليس بصواب، وقال غيره، قال ابن القيم: وقال غيره - غير أبي سليمان - أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب. اعتدال الرجاء والخوف وهو كذلك، وغلبة الحب فالحب هي المركب، والرجاء حادٍ والخوف سائق والله الموصل بمنه وكرمه.

ثم اعلم أن الخوف من أجل الطاعات وأنفعها للقلب وهو فرد على كل أحد، بمعنى أن كل مكلَّف يجب عليه أن يتعبد الله تعالى بهذه العبادة العظيمة كما قال تعالى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] . {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} هذا نهي يقتضي التحريم، إذًا يحرم الخوف من كل أحد مما سوى الله تعالى إلا الخوف الطبيعي وسيأتي استثناؤه، ... {وَخَافُونِ} هنا الشاهد، هذا أمر والأول يقتضي الوجوب حينئذٍ الخوف من الله تعالى واجب، لأنه قال: {وَخَافُونِ} . حذفت الياء وهي لغة، وقال: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] . رهب أو الرهب بمعنى الخوف وإن كان بينهما خلاف يسير، حينئذٍ الرهبة نقول: هذه مما يجب إفراد الباري جل وعلا بها، لأنه قَدَّم ما حَقَّه التأخير {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} فارهبوني إياي فارهبوني هذا هو الأصل فيه، وقال تعالى: {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] . {وَاخْشَوْنِ} هذا أمر بالخشية، ومدح أهله وهذا كله الأوامر تدل على أن الخوف والخشية والرهبة كلها عبادات ولا شك أن محلها القلب، وما كان محله القلب لا بد له من أثر يكون على اللسان وعلى الجوارح، وأما مجرد دعوى الخوف ثم هو في كل معصية يسرح ويمرح نقول: ليس بخائف. {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] مدح أهل الخوف، يعني الذين اتصفوا بهذه الصفة، ومعلوم أن الباري جل وعلا إذا مدح الشيء دل على أنه محبوب مرضيٌ عنده، وإذا كان محبوبًا مرضيًا وحينئذٍ دل على أنه عبادة {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} [المؤمنون: 57] إشفاق إلى قوله: ... {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت