الثاني: مثله هذه الآية ( {وَقَضَى} ) بمعنى أمر، وأمر يتعدَّى بحرف الجر، أمرته بكذا، حينئذٍ قضى ربك بألا تعبدوا إلا إياه ( {قَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ) إذًا يمتنع عن أن نجعل (أن) هنا تفسيرية ولا يصح إلا أن نجعلها مصدرية أو مخففةً من الثقيلة. إذًا قوله: ( {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ) أن مصدرية لحذف النون من الفعل، والفعل هنا مسند إلى واو الجماعة حينئذٍ يكون من الأمثلة الخمسة، الأمثلة الخمسة رفعها بثبات النون والنون محذوفة، وإنما تكون النون محذوفة إذا دخل عليها الناصب أو جازم، فيتعين أن تكون (أن) هنا مصدرية، أو نجعل (لا) هي التي حذفت النون بجعلها ناهية وهي تعمل الجزم، والاستثناء مفرغ لأن الفعل لم يستوفِ مفعوله، فمفعوله بعد (إلا) . وهذا كقولهم: ما ضربت إلا زيدًا.
أو نقول: (أن) حرفٌ مخفف من (أَنَّ) الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف واجب الحذف ولذلك قال ابن مالك:
وإنْ تُخَفَّفْ أنَّ فاسْمُها اسْتَكَنْ
وجوبًا يعني حُذِفَ، استكن هنا المراد به الحذف وجوبًا، والجملة التي بعدها تكون في محل رفع خبر (أن) فيكون التقدير (وقضى ربك أن هو لا تعبدوا) أن هو الهاء هو ضمير الشأن ولا تعبدوا الجملة في محل رفع خبر (أنْ) المخففة من الثقيلة واضح من هذا؟ فلا حينئذٍ تكون ناهيةً جازمة. ... و ( {إِيَّاهُ} ) في الآية ضمير نصب منفصل واجب الانفصال في محل نصب مفعول به على المشهور، وجوز بعضهم أن يكون منصوبًا على الاستثناء، وجوز بعضهم أن يكون بدلًا من المفعول المحذوف وهو قوله: ( {أَلاَّ تَعْبُدُواْ} ) أحدًا. أحدًا هذا مفعول به وحذف.
و (أن) المصدرية هنا في محل جر بالباء بأن لا تعبدوا لأن أمر يتعدى ب حرف الجر، والمعنى أمر بعبادته وحده وعدم عبادة غيره، من أين أخذنا العدم؟ النفي، من النفي، لأن النفي يدل على العدم، إذا قال: لا تعبدوا وكانت (لا) ، لا نافية حينئذٍ المطلوب من مقتضى هذا الحرف أن لا توجد العبادة لمن؟ لغير الله تعالى، إذًا أمر بعبادته وحده وعدم عبادة غيره، وهذا مقابل لـ لا إله إلا الله، ولذلك في الآية تفسير للتوحيد. إذًا (أن) المصدرية هنا في محل جر بالباء، أي بألا تعبدوا وهو متعلق بـ (قضى) ، والمعنى أمر بعدم عبادة غيره، يعني أمر بعبادته وحده وعدم عبادة غيره ممن لا يملك ضرًّا ولا نفعًا وهذا معنى لا إله إلا الله.