أي عطاءه، ( «لا يجره» ) يعني لا يأتي به إليك، ( «حرص حريص» ) الحرص فرط الشره، وفرط الإرادة. قال تعالى: ... {إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ} [النحل: 37] . أي تفرط إرادتك في هدايته، وقال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96] . فالرزق لا يجره حرص حريص، لكن حرص الحريص من أسباب جلب الرزق، يعني ليس المراد أنه لا يحرص ولا يسعى؟ لا، لكن لو حَرِصَ فهو سبب، والسبب قد يترتب عليه الْمُسَبَّب وقد لا يترتب، ولذلك قد يبذل الإنسان أسبابًا يمنة ويسرة ولا يحصل له الرزق، وقد يبذل أسبابًا يسيرة قليلة ويحصل له الرزق، وقد لا يفعل شيء ويأتيه الرزق إلى بابه، أليس كذلك؟ ممكن، كمن مات له ميت وليس له وارثٌ إلا هذا، جاءه رزقٌ دون سبب إذًا الرزق قد يأتي مع الأسباب ومع عدم الأسباب، لكن يفعل السبب، وهذا مطلوبٌ شرعًا، ولكن لا يعتمد عليه.
إذًا ( «لا يجره حرص حريص» ) ، ليس المراد به ماذا؟ أن لا يحرص، وأن لا يبذل، وأن لا يسعى، وأن لا يفكر، ويتأمل وينظر في الأحسن، لا، ليس هذا المراد، بل المراد أنه مع حرصه يعتقد أن هذا مجرد سبب، قد يحصل المسبَّب وقد لا يحصل، لكن حرص الحريص من أسباب جلب الرزق إذ من سعى في الكسب وبحث عن الرزق وفعل الأسباب حينئذٍ قد يكون وافق الشرع، فيكون قد فعل الأسباب الموجبة للرزق يعني التي رتب الباري عليها ليس من الإيجاب الاستقلال لكن ليس معنى هذا لأن الأسباب موجبة للرزق باستقلال، لا، لا تستقل الأسباب، وإنما الأسباب تفعل ثُمَّ المسبب يُفعل من جهة الباري جل وعلا، فخالق السبب هو خالق المسبب، وإنما الرازق والرزاق هو الله وحده، فقد يفعل أسبابًا كثيرة للرزق ولا يُرزق، وقد يفعل أسبابًا قليلةً فيُرزق، وقد يأتيه الرزق بدون سببٍ وسعيٍ كما ذكرنا، لا يرده كراهية كاره، فإذا قدره الله تعالى للعبد فلن يمنعه عنه كراهية كارهٍ مهما كان.
مناسبة الحديث للباب:
فيه وجوب تعلق القلب بالله تعالى في جلب النفع ودفع الضر وخوفه وخشيته وحده، وعدم التفاته إلى الخلق.
قطع العلائق عن الخلائق، الناس لا يملكون جنةً ولا نارًا، ولا يملكون رزقًا ولا شيئًا البتة، فقلبك عَلِّقْهُ بالله تعالى، وهم أسباب تُثْنِي عليهم إن أحسنوا إليك، ولا تذمهم إن أساؤوا إليك، اترك الأمر لله عز وجل، وعدم الالتفات إلى الخلق بمدحٍ أو ذمٍ على ما يحصل من الإعطاء والمنع.
ويستفاد من الحديث:
وجوب التوكل على الله وخشيته وطلب الرزق منه.
إثبات القضاء والقدر أراده وما أراده، حينئذٍ يكون مبنيًا على القضاء والقدر.
عدم الاعتماد على الأسباب.
رابعًا: تقديم رضا الله على رضا المخلوق. هذا واجبٌ شرعًا.
خامسًا: أن الإيمان يزيد وينقص. لأنه قال: ( «من ضعف اليقين» ) .
سادسًا: أن الأعمال داخلةٌ في مسمى الإيمان، وإلا لم تكن هذه الثلاثة من ضعفه، وأضادها من قوته، أليس كذلك؟ دل ذلك على أنها داخلةٌ في مسمى الإيمان.