فهرس الكتاب

الصفحة 1380 من 2014

قال: هذا من أعظم الفقه في الدين، والمأثور أحق وأصدق. فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين. من أرضى الله يعني قدَّم رضا الله تعالى على رضا المخلوق ولا سَخِطَ المخلوق، حينئذٍ صار عبدًا لله، صار عبدًا صالحًا، إذًا دخل في وصف الصالحين والله يتولى الصالحين، فالله يتولاه يكفيه مؤنة الناس، يقطع ألسنتهم يصرفهم عنه .. إلى آخره، والله يتولى الصالحين وهو كافٍ عبده {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} ... [الطلاق: 1، 2] والله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب، لكن كن من الصالحين، حينئذٍ يأتيك ما يترتب عليه.

وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، وهذا من الأمور التي تُعَدُّ من المستحيلات أن تُرْضِيَ الناس كل الناس، هذا لا يكاد أن يكون لكن يرضون متى؟ إذا سَلِموا من الأغراض، ليس لهم غرض فيه يخالف ما عندهم، فحينئذٍ يرضون عنك ولو بالسكوت عنك، وإذا تبين لهم العاقبة. ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا كالظالم الذي يَعَضُّ على يده، وأما كون حامده ينقلب ذامًّا فهذا يقع كثيرًا ويحصل في العاقبة - يعني النتيجة - فإن العاقبة للتقوى لا تحصل ابتداءً عند أهوائهم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

قوله: ( «من التمس» ) أي طلب رضا الله أي أسباب رضا الله، رضا الله هذا صفة من صفاته، حينئذٍ كيف يطلب رضا الله تعالى؟ لا بد من بذل السبب، سخط الله له أسباب توصل إلى السخط، رضا الله تعالى له أسباب، محبة الله تعالى للعبد لها أسباب، فكل شيءٍ وظيفة إلى صفةٍ من صفات الباري جل وعلا فالمراد به بذل السبب من العبد، فإن وُجِدَ حينئذٍ وجد الرضا. فقول: ( «رضى الله» ) أي أسباب رضا الله ( «بسخط الناس» ) الباء للعوض أي أنه طلب ما يُرْضِي الله ولو سخط الناس عليه بدلًا من هذا الرضا، وجواب الشرط قوله: ( «رضي الله عنه وأرضى عنه الناس» ) يعني كفاه مؤنة الناس، أرضى عنه الناس.

مناسبة الحديث للباب:

فيه بيان عقوبة من خاف الناس وآثر رضاهم على رضي الله، يعني قَدَّمَ وأن العقوبة قد تكون في الدين يعني ما يترتب على الذنوب قد يصاب في دينه وهذا أعظم، أعظم العقوبات أن تكون في الدين لا في الدنيا ولذلك كما قال تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 77] بسبب معاصيهم، فلو كان خوفه خالصًا لله تعالى لما أرضاهم بسخطه.

ويستفاد من الحديث:

وجوب خشية الله وتقديم رضاه على رضا خلقه.

ثانيًا: بيان عقوبة من آثر رضا الناس على رضا لله.

ثالثًا: وجوب التوكل على الله والاعتماد عليه.

رابعًا: بيان ما في تقديم رضا الله تعالى من العواقب الحميدة، وما في تقديم رضا الناس على رضا الله من العواقب السيئة.

خامسًا: أن قلوب العباد بيد الله تعالى. لذا قال: وأرضى الناس عنه. والناس المراد برضا الناس هنا ماذا؟ أن تكون قلوبهم راضية عنه، إذًا القلوب بيد الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت