قوله: ( {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ) أي وقضى أن تحسنوا بالوالدين إحسانًا فقضى بذاك وقضى بهذا، كما قضى بعبادته وحده لا شريك له. قال الطبري ابن جرير في تفسيره: ومعنى الكلام وأمركم أن تحسنوا إلى الوالدين، فلما حُذِفَتْ (أن) تعلق القضاء بالإحسان كما يقال في الكلام: آمرك به خيرًا، وأوصيك به خيرًا، بمعنى آمرك أن تفعل به خيرًا، ثم تحذف (أن) فيتعلق الأمر والوصية بالخير. ( {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ) وأن تحسنوا بالوالدين إحسانًا فحذفت (أن) ومدخولها ثم تعلق ما بعد أن تحسنوا بقوله: ( {قَضَى} ) فيكون ( {قَضَى} ) تسلط على الأمرين على الأمر بعبادته جل وعلا وحده دون ما سواه، وعلى الإحسان إلا الوالدين، والعطف هنا عطف حق الوالدين على حق الله تعالى دليلٌ على تأكد حقهما، وأنه أوجب الحقوق بعد حق الله تعالى، هذا كثيرٌ في القرآن متواتر. كقوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14] جمع بينهما في سياقٍ واحد {إِلَيَّ الْمَصِيرُ} وأطلق الإحسان ( {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ) هذا من صيغ العموم، فيعم كل إحسان، سواء كان بالقول أو بالفعل أو بالترك، مدلوله إطلاق لفظ إحسان دون قيدٍ، وأطلق الإحسان هنا ولم يخص نوعًا من أنواع الإحسان لإفادة العموم فيعم أنواع الإحسان كلها بالقول وبالفعل والترك.
جاء في صحيح البخاري عن ابن مسعودٍ رضي الله تعالى عنه قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الأعمال أحب إلى الله: «قال الصلاة على وقتها» قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» حدثني بهن ولو استزده لزادني.
وفي الصحيح كذلك عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَلا أنبئكم بأكبر الكبائر» ؟ قلنا: بلا يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين» .. الحديث.
إذًا برّ الوالدين هذا وعقوق الوالدين، بر الوالدين أوجب الواجبات بعد التوحيد، وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الشرك وهو أمرٌ معلوم من الدين بالضرورة. والإحسان هو بذل المعروف. قال القرطبي: الإحسان إلى الوالدين بِرُّهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما، فيشمل البر القولي والفعلي والتركي، فالترك كما يكون السنة أو الواجب، الواجب والسنة كل منهما قد يكون قولًا وقد يكون فعلًا وكذلك قد يكون تركًا، ولذلك ثَمَّ بدعة قولية وبدعةٌ فعليه وبدعةٌ تركية كما أن السنة قولية وسنة فعلية والسنة تركية وقل من تنبه إلى الترك لأنه فعل.
والكفّ فعلُ في صحيح المذهب
وإحسان نُصِبَ على المصدرية وناصبه فعل مضمر من لفظه كما سبق تقديره. إذًا ( {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ) ونقف هنا لأن المصنف أغلق القوس عند قوله: ( {إِحْسَانًا} ) .