ومناسبة الآية للباب واضحة. إذًا بعد ما ذكر حقَّه جل وعلا ثَنَّى بحق الوالدين، لو قال قائل: أين حق النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ من النصّ لا من خارجٍ ... ( {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ) ، نحن نقول: أردف حقّه بحق الوالدين، هل الوالدان [أعظم] حقهما أعظم من حقِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ لا، قطعًا، فكيف في كثير من الآيات يأتي بحقّه جل وعلا ثم بحق الوالدين؟ ... إذًا حقّ النبي - صلى الله عليه وسلم - داخل فيما سبق في حقّه ( {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ) هل دل على حق النبي - صلى الله عليه وسلم - بدلالة المطابقة أو التضمن أو اللزوم؟ ثلاثة أقوال؟! [ها]
اللزوم؟ ... ما هو بظاهر، على كلٍّ الظاهر أنه بدلالة اللزوم، ولذلك قد يُستغنى عن الشهادة الثانية بذكر الشهادة الأولى لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله الشهادة الأولى دالةٌ على الشهادة الثانية، لأنه لا عبادة مقبولة إلا من جهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
مناسبة الآية للباب واضحة كما ذكرنا وهي الأمر بالتوحيد وهو آكد الحقوق وأوجب الواجبات حيث بدأ به في الآية ولا يُبتدئ إلا بالأهم فالمهم.
ودلت الآية على أمور:
أولًا: أن التوحيد هو أول ما أمر الله تعالى به. يعني المسائل المستفادة من هذه الآية، التوحيد هو أول ما أمر الله تعالى به لأنه قدَّمه ( {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ} ) وقلنا: ( {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} ) هو حقيقة التوحيد.
ثانيًا: أن التوحيد هو أول الحقوق الواجبة على المكلفين.
ثالثًا: تفسير التوحيد لأن ( {أَلاَّ تَعْبُدُواْ} ) هذا مقابل لقوله: ( {أَلاَّ تَعْبُدُواْ} ) (لا إله) ، ( {إِلاَّ إِيَّاهُ} ) (إلا الله) . إذًا تفسير لا إله إلا الله هو هذا النص.
رابعًا: عظم حقّ الوالدين حيث عطف حقهما على حقِّه تعالى، وأكده أيضًا بالمصدر المؤكد لما فرضه من حقهما.
خامسًا: وجوبه لأنه معطفٌ على ما سبق، وما سبق فهو واجبٌ، ولذلك قلنا: حذفت (أن) وما بعدها ثم تعلق بـ قضى وقضى بمعنى أمر.
سادسًا: عمومه إذ لم يخص نوعًا من أنواع الإحسان ليعم جميع أنواعه.
سابعًا: تحريم عقوق الوالدين من أين؟ هو قال: ( {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} ) هذا أمرٌ بالبر، والأمر بالبر شيء، والعقوق شيء آخر هذا من أوجب الواجبات، وهذا من أعظم المحرمات بعد حق الله تعالى، من أين أخذنا تحريم العقوق؟ من النص، مفهوم المخالفة، [الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده] فكل أمرٍ بالتوحيد {اعْبُدُواْ اللهَ} [النحل: 36] فهو نهيٌ عن صرف العبادة لغير الله، واضح هذا، لأن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده.
ثامنًا: فيه دليل للقاعدة الأصولية أن ما خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو خطاب لأمته لأنه قال: ( {وَقَضَى رَبُّكَ} ) خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: ( {أَلاَّ تَعْبُدُواْ} ) انتقل من الخطاب للمفرد إلى الجمع، فدل على القاعدة الأصولية.
وما به قد خوطب النبي ... تعميمه في المذهب السني
وهذا قلنا: على ثلاث مراحل:
-إما أن تدل قرينة على أنه مراد.
-وإما ألا تدل قرينة على أنه ليس مراد.