فهرس الكتاب

الصفحة 1399 من 2014

قال ابن القيم: فتأمل! كيف جعل الإيتاء لله والرسول كما قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] . وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقِّه كما قال: {إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ} . ولم يقل وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه وحده كما قال: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 8] يعني لا إلى غيره، فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده إذًا ( {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ} ) حسبك من اتبعك هذا المعنى لا يستقيم، وإن كان يجوز لغةً من حيث الإعراب، لكن كما قلنا: الإعراب لا بد من مراعاة المعاني، ولذلك حذرنا من الإعراب المجرد لأن هذا يوجد في بعض الإعرابات المجردة يجوز عطفه على ( {حَسْبُكَ} ) يجوز عطفه على ماذا؟ على المضاف [نعم] حسبك الله وحسبك من اتبعك، وهذا يجوز لغةً، لكن لا يستقيم من حيث المعنى، فليس كل ما جاز لغةً جاز اعتماده معنًى - انتبه لذلك -.

قال: فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله وحده كما أن والعبادة والتقوى والسجود والنذر والحلف لا يكون إلا له سبحانه وتعالى. انتهى كلامه. قوله: ( {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} ) الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ( {حَسْبُكَ اللهُ} ) الكافي أي كافيك في كل حالٍ، وحسب خبر مقدم ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر، والمعنى ما الله إلا حسبك، يعني: يجوز هذا الوجه، لكن من حيث المعنى فيه ركاكةٌ، ويجوز العكس حسب مبتدأ ولفظ الجلالة خبره، والمعنى ما حسبك إلا الله، وهذا أرجح من حيث المعنى، إذا كان المبتدأ محكوم عليه هو المراد أصالةً فيجعل مبتدأ زيدٌ أخوك، أخوك زيدٌ كلاهما جائزٌ، لكن إذا كان زيد معلوم ولا يعلم أنه أخوه حينئذٍ يكون ماذا؟ أخوك زيد أليس كذلك؟ إذا كان زيدٌ معلوم ولا يعلم أنه أخوه حينئذٍ يقول: زيدٌ أخوك، فإذا كان يعلم أنه أخوه لكن لا يعلم اسمه يقول: أخوك زيدٌ. هذا من حيث المعنى، لكن من حيث الإعراب يجوز كلاهما جائز خلافًا لابن مالك، فرَتَّبَ قال: الأول هو الواجب تقديمه كذا، والثاني: هو خبره. على كلٍّ هنا يجوز الوجهان ( {حَسْبُكَ اللهُ} ) كلٌّ منهما معرفة فيجوز أن يكون مبتدأ، إذًا لا إشكال من حيث التنكير ( {حَسْبُكَ اللهُ} ) الله حسبك، ... ( {حَسْبُكَ اللهُ} ) هو المراد لأن البحث هنا في ماذا؟ الكلام في الحسب ليس في الله عز وجل، إنما هو كلامه في الحسب. إذًا ما حسبك إلا الله هذا أرجح من حيث المعنى، ( {وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ) ، ( {وَ} ) الواو هنا، الواو في قوله: ( {وَمَنِ اتَّبَعَكَ} ) . هكذا يقول المعربون، والشوكاني جرى على هذا قال: الواو في قوله: ( {وَمَنِ اتَّبَعَكَ} ) يحتمل أن تكون للعطف على لفظ الجلالة ( {حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ} ) والمعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون. هكذا صرح الشوكاني رحمه الله تعالى في (( فتح القدير ) )أي: كافيك الله، وكافيك المؤمنون فمن حينئذٍ معطوفةٌ على لفظ الجلالة لأنه أقرب، العطف على الأقرب قالوا: أولى. هذا من المرجحات، ولو كان العطف على الكاف في قوله: ( {حَسْبُكَ} ) لوجب إعادة الجار، وهذا ضعيفٌ كما تقرر من كلام ابن القيم السابق وجوابه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت