فهرس الكتاب

الصفحة 1401 من 2014

إذًا المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك. بإعادة الجار، فلو كان قوله: ( {وَمَنِ اتَّبَعَكَ} ) مجرورًا لقيل: حسبك الله وحسب من اتبعك، واختار النصب على المفعول معه النحاس. وقوله: فيه نظر. كما ذكرنا، ومحل بحث هذه المسألة باب الإضافة هناك في النحو، وقيل: يجوز أن يكون المعنى ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله، حذف الخبر، يعني ( {وَمَنِ اتَّبَعَكَ} ) هذا مبتدأ، أين الخبر؟ حسبهم الله محذوف يجوز، لكن عدم التقدير أولى من التقدير.

مناسبة الآية للباب:

فيها بيان وجوب التوكل على الله لأنه هو الكافي لمن توكل عليه، فإذا كان الله هو الكافي لعبده وحده وجب أن لا يتوكل إلا عليه.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقولِهِ: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] ) .

أي كافيه، [ومن كان الله كافيِهِ] ، ومن كان الله كافيَهُ وواقيَه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ به مراده فلا يكون أبدًا. قاله ابن القيم رحمه الله تعالى.

قال بعض السلف: جعل الله لكل عملٍ جزاءً من نفسه. يعني من نفس العمل، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته. فقال سبحانه: ( {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ) . ولم يقل فله كذا وكذا من الأجر، وإنما قال: ( {فَهُوَ حَسْبُهُ} ) يعني له كافيه، كما قال في الأعمال من له كذا من فعل كذا إلى آخره، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده، كافي هو عبده المتوكل عليه، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجًا وكفاه ونصره.

في الآيات دليل على فضل التوكل أو لا؟ فيه دليل على فضل التوكل، وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار، لأن الله تعالى علَّق الجملة الأخيرة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط ( {فَهُوَ حَسْبُهُ} ) الفاء واقعة في جواب الشرط،

هو مبتدأ، ( {حَسْبُهُ} ) خبر، والجملة في محل جزم جواب الشرط، ( {يَتَوَكَّلْ} ) بالجزم هذا فعل الشرط، ( {عَلَى اللَّهِ} ) أي لا على غيره، لأن الله علَّق الجملة الأخيرة على الأولى كتعليق الجزاء على الشرط، فيمتنع أن يكون وجود الشرط كعدمه، لا يستوان لأنه تعالى رتب الحكم على الوصف المناسب له، فعُلِمَ أن توكله هو سبب كون الله حسبًا له، وفي الآية تنبيه على القيام بالأسباب مع التوكل لأنه تبارك وتعالى ذكر التقوى، ثم ذكر التوكل كما قال تعالى: {وَاتَّقُواْ اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11] . فجل التوكل مع التقوى الذي هو قيام بالأسباب المأمور بها، فحينئذٍ إذا توكل على الله فهو حسبه، فالتوكل بدون قيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، ومر معنا، وإن كان مشوبًا بنوع من التوكل فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزًا، ولا عجزه توكلًا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها، كما قال ابن القيم رحمة الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت