فهرس الكتاب

الصفحة 1419 من 2014

دلت الآية على التحذير من القنوط من رحمة الله، وأنه من أعظم الذنوب، ولأنه سوء ظن بالله عز وجل لأنه طعن في قدرة الله تعالى وعمومها، وطعن في رحمة الله وشمولها، وهو كذلك، قانطًا من رحمة الله، قنط من رحمة الله إما شكًّا في القدرة أو في عمومها، وإما شكٌّ في الرحمة أو في شمولها، حينئذٍ يستوي الأمران، ودلت الآية الثاني معًا أنه يجب على المؤمن أن يجمع بين الخوف والرجاء، فلا يُغَلِّب جانب الرجاء فيأمن مكر الله، ولا يُغَلِّب جانب الخوف فييأس من رحمة الله، بل يكون خائفًا راجيًا، يخاف ذنبه ويعمل لطاعة ربه ويرجو رحمة الله، كما قال سبحانه: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] . وقال: {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] . ولذلك قلنا فيما مر معنا أنه يجمع بينهما في مقامٍ واحد، وقد يُقَدِّم أحدهما على الآخر للدلالة على أنه لا بد من الاعتدال، ثم قد يكون لحال زيد من الناس أن يُقَدِّمَ الخوف على الرجاء والعكس بالعكس وإلا الأصل فيه الاعتدال.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الكبائر فقال: «الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» ) . (سئل عن الكبائر فقال: «الشرك بالله» ) ، يعني ذكر شيئًا من الكبائر، ولم يُرِدِ الحصر كما مر معنا ثلاثٌ ( «ثلاث خصال» ) ، ( «واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» ) الشاهد هو ( «واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» ) هذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشرٍ عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان متكئًا فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: ... «الشرك بالله» . وذكر الحديث، ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشرٍ فقال ابن معين: ثقة. ولينه ابن أبي حاتم. قال في (( التيسير ) ): ومثل هذا يكون حسنًا وهو كذلك، وقال ابن كثير: في إسناده نظر والأشبه أنه موقوف. ولو كان موقوفًا له حكم المرفوع لأنه لا يقال بالرأي (أكبر الكبائر) الحكم على الشيء لأنه من الكبائر محرم بل من الكبائر، حينئذٍ يحتاج إلى وحي ولا يكون كذلك إلا من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قوله: ( «الشرك بالله» ) . وهذا ذكره أولًا وهو أكبر الكبائر وأظلم الظلم وأقبح القبيح، إذ مضمونه تنقيص رب العالمين وإلههم ومالكهم وخالقهم الذي لا إله إلا هو، وعدل غيره به، ولهذا لا يُغفر إلا لم يتب منه بخلاف غيره من الذنوب، فهي تحت مشيئة الله إن شاء غفرها وإن شاء عذب بها، ومر معنا معنى الشرك تقسيمه ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت