على كلٍ قوله: (من الإيمان) أراد به الإيمان الشرعي الذي يُفسر بأنه اعتقادٌ بالقلب، ونطقٌ باللسان، وعملٌ بالجوارح والأركان، وهذا يدخل في الإيمان بالله فيشمل الإيمان بربوبيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بألوهيته، فكلها تقتضي العمل إما باللسان، وإما بالجوارح، حينئذٍ دخل الدين كله في مفهوم الإيمان، ودخل الإسلام كله والإحسان والتقوى، وهذه كلها عباراتٌ عند الافتراق تكون مترادفة، فالإيمان يدخل فيه التقوى والإحسان والإسلام ونحو ذلك من الألفاظ الشرعية التي جاءت في الشرع، وإذا اجتمعت حينئذٍ يفرق بين معنى الإيمان ومعنى الإسلام ومعنى التقوى ومعنى الإحسان ونحو ذلك. (من الإيمان) إذًا عرفنا الإيمان في اللغة، وعرفنا الإيمان في الشرع، (من الإيمان بالله) لا بغيره، وهو المراد هنا: (الصبر على أقدار الله) ، الصبر في اللغة الحبس والكفّ، يعني يأتي ويُراد به معنى الحبس، والحبس هو معنى الكفّ بمعنى الكفّ، ومنه: قولهم: قُتِلَ فلان صبرًا [أي محبوسًا مأمورًا] ، أي محبوسًا مأثورًا، وذلك إذا أُمْسِكَ وحبس، ومنه قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28] أي المراد به احبس نفسك معهم، هذا المراد بالصبر هنا، والصبر حينئذٍ يكون بمعنى حبس النفس هذا معنى شرعي، حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبسُ اللسان أو حبسِ اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش هكذا عبر ابن القيم في بعض المواضع وعبر في مواضع أخرى حبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، ونحو ذلك، يعني على أي عملٍ ينافي الصبر، حينئذٍ ضد الصبر هو التسخط، التسخط قد يكون بالقلب، وقد يكون باللسان، وقد يكون بالجوارح والأركان، ولكلٍّ لها صفةٌ تقتضيه، وتختلف كذلك من شخصٍ إلى شخصٍ آخر.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا. يعني جاء ذكره في نحو تسعين موضعًا، وإذا كرر الرب جل وعلا شيئًا في القرآن في مواضع عدة دل على الاهتمام به، ولا شك أن الاهتمام به أعم من كونه واجبًا، لكن الصبر واجبٌ بالإجماع، يعني يجب حبس القلب عن التسخط، وحبس اللسان، وحبس الجوارح والأركان عند أقدار الله تعالى، وهذا موضع إجماعٍ لأنه واجبٌ، وهو واجبٌ بإجماع الأمة.