لو نظرنا إلى الأنواع الثلاثة الأول والثاني من فعل وكسب العبد، أليس كذلك؟ النوع الثالث ليس له كسبٌ فيه، فالأولان الصبر على المأمور والصبر عن المحظور صبرٌ على ما يتعلق بالكسب، يعني المأمور الذي هو الطاعة يفعلها العبد، والمنهي عنه في الأصل أنه فعلٌ للعبد، إذًا يتعلق النوع الأول والثاني بشيءٍ من فعل العبد، وأما الثالث: وهو صبرٌ على ما [لا] كسب للعبد فيه كالصبر على ماذا؟ على النوازل والمصائب التي تَحُلّ به، أليس كذلك؟ مرض أصابه الفقر، مات ابنه، هُدِمَ بيته، هذه مصائب ليست من فعله حينئذٍ يكون الصبر عليها صبرٌ على شيءٍ لا يتعلق بكسب العبد، وإنما هو من فعل الله تعالى، ولذلك قلنا: هو داخلٌ في الحكم الكونيّ، والحكم الكونيّ هذا لا علاقة للعبد فيه البتة بخلاف الحكم الشرعي، فإن العبد مأمورٌ بالطاعة فيفعلها ويحتاج للصبر عليها، ويُنهى عن المعصية فيتركها ويحتاج أن يحبس نفسه وينكفَّ عنها، والأولان أفضل من الأخير، ما هما الأولان، إذا أردنا المقارنة بين هذه الأنواع الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية أفضل من الصبر على المصائب على أقدار الله تعالى. والأولان أفضل من الأخير وهو الصبر على أقدار الله المؤلمة. والنوع الأول الذي هو الصبر على الطاعة أفضل من الثاني الذي هو الصبر عن المحظور عن المعصية. إذًا على الترتيب هكذا أولها وأعلاها درجةً: الصبر على الطاعة، ثم يأتي بعده في المرحلة الثانية الصبر عن المعصية، ثم يأتي في الدرجة الثالثة الصبر على أقدار الله تعالى المؤلمة. هذا من حيث النظر إلى التقسيم نفسه، وقد يختلف باختلاف الأشخاص كما قلنا في الرجاء والخوف: أن الأصل هو الاعتدال، ثم قد يختلف باختلاف الأشخاص، وهنا كذلك الأفضل الصبر على الطاعة مقدمٌ على الصبر عن المعصية، وقد يكون باعتبار زيدٍ من الناس العكس بعض الناس تتعلق نفوسهم بالمنهيات، وأما الطاعات فيفعل ما شاء، قد يصوم كل يوم ولا يحتاج إلى صبرٍ، لكان ينكفّ عن شيءٍ معين من المحرمات يحتاج إلى صبر أيوب، إذًا يكون في حقِّه ماذا؟ الصبر عن المنهيات عن المحظور يكون آكد، لكن هذا لا باعتبار الأصل، وإنما هو باعتبار زيدٍ من الناس، وأما التقسيم على ما ذكرناه فهو الأصل الذي دل عليه الشرع.