قال ابن تيمية ونقله عنه ابن القيم في (( المدارج ) )في بيان لِمَا قُدِّمَ الصبر على الطاعة الصبر عن المعصية. قال: فالصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل. علة ذلك فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، مصلحة فعل الطاعة الحكم الشرعي لا بد وأنه مترتبٌ على مصلحة، لا يأمر الله تعالى بإيجاد شيءٍ إلا لمصلحةٍ، ولا ينهى عن شيءٍ إلا لمصلحةٍ، إذًا فعل الطاعة لمصلحة، واجتاب المحظور يكون لمصلحة، أي المصلحتين أعظم؟ مصلحة الطاعة أعظم، ولذلك الصبر على فعل الطاعات آكد من الصبر على ترك المنهيات، ويقابل المصلحة وهو ترك المأمور وفعل المحظور يقابله ماذا؟ المفسدة، فمفسدة ترك فعل الطاعة أعظم من مفسدة فعل المحظور، ولذلك ابن القيم في (( الفوائد ) )قارن بين الأمر والنهي أيها أفضل في الشرع؟ قرر رحمه الله تعالى أن باب الأمر آكد شرعًا، ومر معنا ذلك في (( شرح الورقات ) )ويكفيه أن التوحيد من المأمور، وهو الذي خُلِقَتِ الخليقة من أجله، فدل على أن باب الأمر أعظم إذ منه التوحيد، ولذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لما ذكر الأمر والنهي في (( الأصول الثلاثة ) )قال: أعظم ما أمر الله به التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك. فإذا وُجِدَ التوحيد بحذافيره انتفى الشرك بحذافيره. إذًا باب الأمر آكد من جهتين: أن مصلحة فعل الطاعة أعظم من مصلحة اجتناب المحظور، ثم مفسدة ترك الطاعة أشد من مفسدة فعل المحظور.
ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وأيضًا الصبر على الطاعة يتضمن إلزامًا وفعلًا، والفعل فيه نوعٌ من المشقة فيحتاج إلى صبرٍ، ثم الصبر على المعصية لأنه [فيه كفًّا فقط] فيه كفٌّ فقط، حينئذٍ الكفّ أسهل، وإن كان الكفُّ قلنا: الصحيح أنه فعل.
والكف فعل في صحيح المذهب
لكن الفعل باعتبار الإيجاد وهنا بالعكس، حينئذٍ نقول: فعل الطاعة هذا فيه إلزام للنفس، وفيه فعل وحركة، وفيه مشقة وتعب، سيحتاج إلى صبرٍ، وأما المعصية فهي كَفّ نفسٍ فقط يترك الشيء، حينئذٍ نقول: هذا لا يحتاج إلى مشقة، لكن كما ذكرنا أنه باعتبار الأصل، أما باعتبار زيدٍ من الناس فقد لا، يكون ترك المنهيات أشد عنده من فعل الطاعات فيَسْهُل عليه الصلاة والصوم ويصلي مائة ركعة، ويصوم كل يوم سهل جدًّا، لكن ترك بعض المنهيات قد يكون عنده أشق من ذلك. إذًا الصبر على المعصية لأن فيه كفًّا فقط، أي إلزامًا للنفس بالترك، وأما الصبر على الأقدار فلأن سببه ليس كسبيًّا بفعل العبد، فليس فعلًا ولا تركًا، وإنما هو من قدر الله المحض، يعني جُعِلَ هذا النوع ثالثًا في المرتبة الأخيرة، لماذا؟ لأن المقارنة هنا بين الأوليين وبين الثالث، أن الأوليين من فعل العبد وكسبه، وأما الثالث فليس للعبد فيه فعل ولا ترك، ولذلك جاء في المرحلة الثالثة.