فهرس الكتاب

الصفحة 1433 من 2014

وأما قوله: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ} وأطلق حينئذٍ بالمفهوم دل على الشمول ففرق بين النوعين، وهو من حيث المقصود ينقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث المقصود: صبرٌ لمن؟ أو ما الحاثّ له؟ وما الجالب له؟ ولأي شيء يكون؟ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله.

بالله، ولله، ومع الله، فاختلفت هنا حروف الجر، بالله، ولله، ومع الله هذا ظرف.

فالأول الذي هو الصبر بالله: أول الاستعانة به هكذا قال ابن القيم، أول الاستعانة به ورؤيته أنه هو المصبر، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه، الصبر بالله يدل على أن هذا الصبر من عند الله تعالى، فما يَحُلّ لقلب العبد من القناعة وعدم التسخط الذي هو حقيقة الصبر هذا من عند الله تعالى، حينئذٍ المصبر الحقيقي هو الله تعالى، كما أن الذي وهب الإيمان والإسلام للعبد هو الله عز وجل، لأن هذا يعتبر من النعم، والمنعم الحقيقي هو الله تعالى، حينئذٍ يكون في هذا التركيب الصبر بالله فيه نظر إلى جهة الْمُصَبِّر، أول الاستعانة به ورؤيته أنه هو الْمُصَبِّرُ وأن صبر العبد بربه لا بنفسه، كما قال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ} أمره بالصبر، ثم قال: {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ} ومعلوم أن هذا ترديد بين ما وإلا يدل على الحصر. إذًا الذي يُصَبِّرُكَ هو الله تعالى، يعني إن لم يصبرك هو لم تصبر، هكذا قال ابن القيم.

إذًا الصبر بالله المراد به أن العبد إن صبر لم يُصَبِّرْهُ إلا الله تعالى، فهو نظرٌ إلى جهة إعطاء الصبر للعبد، بقطع النظر يصبر لمن؟ هذه مسألة أخرى، وإنما من هو واهب الصبر؟ الله، هذا المراد به.

والثاني: الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله، وإرادة وجهه والتقرب إليه، لا لإظهار قوة النفس، والاستحماد إلى الخلق وغير ذلك من الأغراض، الإنسان قد يصبر من أجل أن يُثْنَى عليه فيدخل الرياء في الصبر، أليس كذلك؟ وقد يريد أن يظهر تجلده وقوة نفسه لا لله عز وجل، فحينئذٍ المراد الصبر لله أن لا يكون ثَمَّ إرادة إلا وجه الباري جل وعلا.

والثالث: الصبر مع الله. وهو عظيم وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه ومع أحكامه الدينية، يعني يدور مع أحكام الباري جل وعلا وجودًا وعدمًا، هذا الصبر مع الله، حيثما، فحيثما اقتضى الحال الصبر وُجِدَ الصبر، وحيثما اقتضى الحال الشكر وُجِدَ الشكر، وسيأتي.

الصبر مع الله وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه ومع أحكامه الدينية صابرًا نفسه معها، سائرًا لسيرها، مقيمًا لإقامتها، يتوجه معها أينما توجهت ركائبها، فهذا معنى كونه صابرًا مع الله، أي قد جعل نفسه وقفًا على أوامره ومحابه، وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها وهو صبر الصِّدِّيقِين.

إذًا الصبر مع الله، مغاير مع الصبر بالله، مغاير للصبر لله، الصبر بالله ملاحظة المصدر أن المُصَبِّر هو الله، الصبر لله الباعث لأنه قد يصبر لا لله لحظ نفسه، الصبر مع الله دورانه مع أحكام الله تعالى حيثما وُجِدَتْ وُجِد الصبر، هذا المراد به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت