أما الصبر على الطاعة طاعة الله، والصبر عن معصيته فهو ظاهر لكل أحد أنهما من الإيمان بل هما أساسه وفرعه .. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. وقوله: (على أقدار الله) . (أقدار) جمع قدر على وزن فَعَل وهو مصدر، والمصدر قد يُطلق ويُراد به اسم الفاعل، وقد يُطلق ويراد به اسم المفعول، وهنا محتمل قَدَر مُقَدِّر الْمَقْدُور، إذا قيل: الْمُقَدِّر فالمراد به مَنْ؟ الله عز وجل الْمُقَدِّر، وإذا قيل: الْمَقْدُور أريد به المصائب.
إذًا (على أقدار الله) جمع قَدَرٍ، ويراد بها إما المقدور، وإما فعل المقدِّر وهو الله جل وعلا، فالمقدور ثَمَّ تفصيل قَدَر بمعنى المقدور هذا يجب الصبر عليه، وأما الرضا به هذا محل خلاف، والأكثر على أنه مُستحب يُستحب الصبر على المقدور، وفعل الله تعالى الْمُقَدِّر هذا يجب الصبر عليه والرضا به، إذًا الْمَقْدُور باعتبار الصبر والرضا، الصبر واجب والرضا مستحب، وباعتبار فعل الله تعالى الذي وصفه القدر الصبر واجب والرضا واجب، واضح هذا؟ المرض هذا مَقدور إذا وقع بالعبد أنت مريض الآن تقول: هذا مقدور، ما الذي فعله وأحل بك أنزله بك؟ الله، إذًا الْمُمْرِض سنفرق بين النوعين، فعل الله تعالى كونه أمرضك، أليس كذلك؟ المرض نفسه هذا مقدور، هل يجب الرضا بكون الله تعالى هو الذي أمرضك؟ نعم هذا واجب، لأنه يجب أن ترتضى عن أفعال الله تعالى كلها، طيب بقي ماذا؟ الرضا بالمرض وهو نازل بك نقول: هذا مُستحب ليس بواجب.
إذًا فرق بين القدر بمعنى فعل المقَدِّر فيجب الرضا به، كون الباري هو الذي خلق فيك هذا المرض، حينئذٍ نقول: هذا يجب الرضا به والصبر عليه.
والثاني المقْدُور باعتبار المرض نفسه وأنت مريض هل يجب التسليم له الرضا به؟ لا يجب، بل إنما يعتبر من المستحبات وسيأتي كلام ابن القيم وشيخ الإسلام.
وفعل الله الْمُقَدِّر فيجب الصبر والرضا به، والمَقْدُور ثَمَّ تفصيل قد يكون طاعات وقد يكون معاصي وقد يكون من أفعال الله تعالى، فالطاعات يجب الرضا بها، لأنها حكم الله الشرعي، وجميع أحكام الله الشرعية يجب التسليم لها، يجب الرضا بها، يجب القناعة بها، فمن لم يقتنع بحكم واحد ثابت في الشرع وهو يعلم أنه ثابت هذا خروج من الملة. فالطاعات يجب الرضا بها، والمعاصي؟ لا يجب الرضا بها، لكن كون الباري هو الذي أحدثها باعتبار فعل الْمُقَدِّر نحن نعلم أن الله تعالى لا يخلق الشر من كل وجه، «الشر ليس إليك» . دل ذلك على ماذا؟ على أنه ما من مقدور على وجه الأرض إلا وهو خير، لكن باعتبار آخر إما خير لذاته، وإما خير لغيره، أو باعتبار ما يترتب عليه، ولذلك الكفر والشرك يوجدان هل نرضى بهما أو لا؟ فيه تفصيل، إن كان المراد بالرضا بأن الفاعل هو الله عز وجل فأوجده لحكمة، أليس كذلك؟ وجب الرضا به، أما عين الشرك وهو صرف العبادة لغير الله تعالى هذا يجب الكفر به، ويجب بغضه وعدم الركون إليه، ففرق بين المسألتين، فالطاعات يجب الرضا بها، والمعاصي لا يجوز الرضا بها من حيث هي مقدور، أما من حيث كونها قدر الله فيجب الرضا به بكل حال ففرق بين المسألتين، ففرق بين القدر والمقدور، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: