( {يَهْدِ قَلْبَهُ} ) ، إذً الهداية منه متعلقة بالقلب، وهو تعويض حلّت به المصيبة فصبر واحتسب، ولم يتسخط هدى الله تعالى قلبه فقذف في قلبه الهداية التامة والتسليم والطمأنينة ونحو ذلك. كما قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} ... [البقرة: 155: 157] قال: ( {يَهْدِ قَلْبَهُ} ) ، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} إذًا الهداية القلبية عِوَضٌ عما أصابه وحلّ به من المصائب، وسبق حديث: «عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاءً إلا كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خير له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» . فقول: {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} هذا تنبيه على أن ذلك صادر عن علمه، المصيبة التي حلَّت به إنما هي من علم الله تعالى، فما شاءه كان، فحينئذٍ يكون تابعًا لعلمه، وهو كذلك، تنبيه على أن ذلك صادر عن علمه المتضمن لحكمته، وذلك يوجب الصبر والرضا.
فقول الله تعالى: ( {وَمَن يُؤْمِن} ) أي يؤمن بقضاء الله وقدره مما حل به من المصائب، الجواب جواب الشرط هنا ( {يَهْدِ قَلْبَهُ} ) لأن (من) هذه شرطية، و ( {يُؤْمِن} ) هذا فعل الشرط، و ( {يَهْدِ} ) بالياء الأصل حينئذٍ هي جواب الشرط، وهي فعل مضارع مجزوم جواب الشرط، والأصل في وقوع جواب الشرط أنه بعد وجود شرط مباشرة، يعني لن يكون ثَمَّ فاصل بين الإيمان وبين هداية القلب، مباشرة منذ أن يُسَلِّم للمصيبة حلّت الهداية القلبية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم) . هذا الأثر رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن علقمة، وهو أثر صحيح رواه الأعمش عن ظبيان قال: كنا عند علقمة فقُرِأَ عليه هذه الآية ( {وَمَن يُؤْمِن} ) إلى آخرها ورُوِيَ كذلك عن ابن مسعود أيضًا. علقمة هو ابن القيس بن عبد الله النخعي الكوفي، وُلِدَ في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسَمِعَ من أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم، وهو كم كبار التابعين وعلمائهم وثقاتهم، مات بعد الستين، وله تسعون سنة.