وقوله: ( «ودعا بدعوى الجاهلية» ) . قال شيخ الإسلام: هو ندب الميت. يعني المراد هنا ( «ودعا بدعوى الجاهلية» ) ما المراد به؟ اختلف الشراح أي من ذكر هذا الحديث، قال ابن تيمية: هو ندب الميت. وقال غيره: هو الدعاء بالويل والثبور. قال ابن القيم - وقوله وهو الصحيح: الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية للأنساب، ومثله التعصب للمذاهب والطوائف والمشايخ وتفضيل بعضٍ على بعض في الهوى والعصبية - انتبه -. ( «ودعا بدعوى الجاهلية» ) التعصب للأنساب، هذا من جهة كذا، وهذا من كجهة كذا، هذا ينتسب لقبيلة كذا، وهذا ينتسب لقبيلة كذا، هذا حنبليٌّ وهذا شافعيُّ، وهذا يتعصب لأحمد بن حنبل وهذا يتعصب لل .. ، كل هذه من دعاوى الجاهلية، ليست من منهج الإسلام في شيء البتة. وإنما يُتَعَصّب لأي شيء؟ للحقّ فحسب، وما أسهلها أن تُقال على اللسان، وما أصعبها أن توجد في حال الإنسان، خاصة طلاب العلم، العوام كاسمه العوام هوام. يقول الشيخ ابن عثيمين: العوام هوام. هوام يعني يقول: إذا وضعت السكر يجتمع عليه النمل، تنقله إلى موضع آخر يجتمع يمشي معك، العوام هكذا، أما طالب العلم، لا، يجب عليه وجوبًا شرعيًّا أن يدور مع الحق وجودًا وعدمًا، وما ألذّ العلم عندما يكون طالب العلم هكذا، لا يفرح طالب العلم بالعلم إلا إذا وجد نفسه نقالًا، ليس نقالًا بالأقوال، نقالًا يتبع الحق بحذافيره، لا يكون له همّ إلا إصابة الحقّ. وما أجمل كلمة ابن القيم حينما أراد أن يعلل لماذا الحكمة ضالة المؤمن ولو نطق بها الكافر؟ يجب أن تقبل، لو سمعت كافرًا تكلم بكلام، قل: هذا أبغضه، وهو كافر، لكلمته تلك حقّ فيجب قبولها. يقول: لأنه ما من حقٍّ في السماوات والأرض إلا وهو أثر من آثار اسم الله تعالى الحق، فإذا رددته رددت على الله تعالى، لا يجوز لطالب العلم أن يتعصب للأشخاص البتة، وإنما يكون همه هو الحق وإصابة الحقّ، وأما الأشخاص لا تشتغل بهم، هذا يجلس يمدح، وهذا يجلس يذم، لست مكلفًا شرعًا أن تُدافع عن هؤلاء، نعم من أصاب يدافع عنه، ومن كان من أهل السنة يدافع عنه، لكن الأصل هو إتباع الحق، ولذلك جعل ابن القيم من التعصب للمشايخ، قال: للمشايخ. يعني لماذا؟ لذواتهم، لا لِمَا معهم من حقّ، وإلا هذا لا إشكال فيه، وهذ من دعاوي الجاهلية. يعني وقع في كبيرة من الكبائر، وهذا لا يجوز طالب العلم إذا أراد أن يصل بعلمه إلى الإتباع الحقيقي، وليست مجرد دعوى، حينئذٍ يجب أن يجرد قلبه للحق، وألا يكون في قلبه ما هو أعظم من الحق، لا يكون الشيخ، ولا المذهب أعظم في نفسك من الحقّ، لا، حبك للحق وإتباع الحق هو الأصل وأما الأشخاص فلا تشتغل بهم لا مدحًا ولا قدحًا.