فهرس الكتاب

الصفحة 1447 من 2014

قال ابن القيم: الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية للأنساب، ومثله التعصب للمذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعضٍ على بعضٍ في الهوى والعصبية. وكونه منتسبًا إليه يدعو إلى ذلك ويوالي عليه - يعايب على زماننا - ويوالي عليه ويزن الناس به. هذا أصل بدعي، وزن الناس يكون بماذا؟ بالشرع بالكتاب والسنة، من وافق الكتاب والسنة حينئذٍ هو الذي يُمدح، ومن خالف حينئذٍ هو الذي يُذَمّ، ليس الذي خالفني يُذمّ ولو وافق السنة والكتاب، لا، وإنما الميزان هو الشرع وليس فلان وفهم فلان، لا، ويزن الناس به، فكل هذا من دعوى الجاهلية. تأملوا هذا الكلام، واحفظوه، والصحيح أن ( «دعوى الجاهلية» ) يعمّ ذلك كله، يعني ندب الميت، والدعاء بالويل والثبور، وما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى فهو داخل في دعوى الجاهلية، فهو مفرد مضاف فيعم.

وأما ذكر ( «ضرب الخدود وشق الجيوب» ) هذا لا يخصصه، يعني ذكر خاصًّا ثم ذكر عامًا، فلا إشكال فيه، فالمقصود كل دعوى منشؤها الجهل فهي من دعوى الجاهلية، وذكر هذا الأصناف الثلاثة ذكرها لماذا النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ذكرها لأنها هي الغالب، هي غالب ما تكون عند المصائب، وهذه الثلاثة من الكبار لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تبرأ من فاعلها، قال: ( «ليس منا» ) إذًا وقع في كبيرة من الكبائر، وقد جاء لعن من فعل ما في هذا الحديث عند ابن ماجة وصححه ابن حبان، عن أبي أُمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور. يعني بمعنى الحديث السابق، وهذا يُؤيد أنها من الكبائر اللعن، والسابق، ( «ليس منا» ) ومعلوم أن من ضوابط الكبيرة ما جاء فيه اللعن أو التبرئة، ولأنها مشتملة على التسخط على الرب من جهة المعنى كذلك، ولأنها مشتملة على التسخط على الرب وعدم الصبر الواجب والإضرار بالنفس من لطم الوجه، واتلاف المال، وبشق الثياب وتمزيقها، كل ذلك ُيعتبر من المحرمات، ويؤكد أن هذه الأفعال من الكبائر. وذكر الميت بما ليس فيه، كذب هذا، كمن يمدح شيخه بما ليس فيه، هذا كذب، هذا يعتبر من الكذب، والدعاء بالويل والثبور والتظلم من الله تعالى وبدون هذا يثبت التحريم الشديد فكيف بها.

وأما الكلمات اليسيرة إذًا كانت صدقًا لا على وجه النوح والتسخط فلا تحرم ولا تنافي الصبر الواجب، نصّ عليه أحمد لِمَا رواه في مسنده عن أنس أن أبا بكر دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه، وقال: وا نبياه وا خليلاه وا صفياه. هذا هذا لم يكن على جهة التسخط، وهذا لا بأس به. وكذلك صحَّ عن فاطمة رضي الله تعالى عنها أنها ندبت أباها - صلى الله عليه وسلم - وهذا في البخاري - فقالت: (يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه) . إذًا هذا يُعتبر شيئًا من الذي السائغ أو الجائز من الندب (يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه) الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت