والحديث لا يدل على النهي عن البكاء أصلًا الذي معنا ( «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» ) وكذلك الحديث السابق: ( «النياحة على الميت» ) . ليس المراد به النهي عن البكاء أصلًا، لأنه ثبت من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وثبت من غيره، ودل أن المراد به الذي معه الصوت رنة، وهو كذلك الذي معه معنى، وهو التسخط من قدر الله تعالى. والحديث لا يدل على النهي عن البكاء أصلًا وإنما يُدل على النهي عما ذُكِرَ فيه فقط، وعن البكاء برنة وحلق الشعر، وخمش الوجوه، ونحو ذلك. وليس المراد هنا تسمية المذكورات لأن هذه تختلف باختلاف العادات، وإنما المراد عدم الصبر ويحدث معه قول أو فعل، وليس من الشيء المستثنى، حينئذٍ يكون داخلًا في النهي. وأما البكاء على وجه الرحمة والرأفة ونحو ذلك فيجوز ولا ينافي الرضا بقضاء الله بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه. ويدل لذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا مات ابنه إبراهيم: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يُرضي الرب، وإنا بك لمحزونون» . متفق عليه.
مناسبة الحديث للباب: فيه دليل على تحريم التسخط من قدر الله بالقول والفعل. وأن ذلك من كبائر الذنوب.
وفي الحديث وجوب الصبر عند المصيبة، يعني بدلالة الالتزام كما مر معنا.
ووجوب مخالفة الجاهلية، لأن مخالفتهم من مقاصد الشارع الحكيم، ... ( «ودعا بدعوى الجاهلية» ) كل شيء منشؤه الجهل، سواء نقل عن الجاهلية أو لا، كما مر معنا في (( مسائل الجاهلية ) ).
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة» ) . هذا الحديث رواه الترمذي والحاكم، وحسنّه الترمذي، وفي إسناده سعد بن سنان، قال الذهبي: سعد ليس حجة. وقال: كأنه غير صحيح. وأخرجه الطبراني والحاكم عن عبد الله بن مغفل، فأخرجه ابن عديّ عن أبي هريرة، وإسناده ضعيف، والطبراني عن عمار بن ياسر، وحسنَّه السيوطي وغيره. حديث حسن بمجموعه.