قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: المصائب نعمة لأنها مكفرات للذنوب، والمؤمن دائمًا ينظر إلى العاقبة {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] حينئذٍ لا ينظر لِمَا هو عليه، وإنما ينظر إلى ما سيكون. قول الشيخ: المصائب نعمة. قد يستغرب ويقول: كيف نعمة؟ نعم هي نعمة، لماذا؟ لأنها مكفرة للذنوب، وكل شيء يكفر الذنب في الدنيا، لأن عقوبة الدنيا أهون من عقوبة الآخرة لا شك في ذلك، لا مساواة أو مقارنة بين العقوبتين، ولذلك أطلق رحمه الله تعالى هذا الجملة وهي جملة صحيحة. المصائب نعمة لأنها مكفرات للذنوب، ولأنها تدعو إلى الصبر فيثاب عليها، وهو كذلك يصبر فيثاب عليه، ولأنها تقتضي الإنابة إلى الله والذَّّل له والإعراض عن الخلق إلى غير ذلك من المصالح العظيمة، فنفس البلاء يُكَفِّرُ الله به الخطايا، ومعلوم أن هذه من أعظم النعم، ولو كان رجل من أفجر الناس فإنه لا بد أن يخفِّف الله عنه عذابه بمصائبه. يعني من أفجر الناس وهو مسلم وحلّت به النقمة المصيبة، حينئذٍ هذا تكفير لأن القاعدة صحيحة وهو استقراء صحيح من استقراء الكتاب والسنة أن المؤمن إذا وقع في الذنب إذا جاءته النعم بعد الذنب فهو استدراج، وإذ حلَّت به العقوبة بعد الذنب فهو رحمة، إذًا لو كان من أفجر الناس، ولا بد أن تحلّ به المصائب هذا في الجملة، وقد يُعافى من ذلك لكن في ظاهرها عافية وإلا ليست بعافية. قال: ولو كان رجل من أفجر الناس فإنه لا بد أن يخفِّف الله عنه عذابه بمصائبه. فالمصائب رحمة ونعمة في حقّ عموم الخلق إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك. وهو كذلك لأنه إذا أصابته المصيبة قد يصبر وقد يتسخط، وقلنا: السخط قد يؤدي به إلى الكفر، إذًا هذه مصيبة لم تؤدِّ به إلى رحمه الله تعالى، بل أخرجته من الملة فتكون شرًّا عليه من جهة ما أصابه في دينه لا من جهة المصيبة، وإنما من جهة ما ترتب على المصيبة، وأما المصيبة في نفسها فهي رحمة، إذا ترتب عليها شيء آخر شرّ بالنسبة لمن حلّت به فحينئذٍ يكون من أجل المصيبة لا لذاتها.