قال رحمه الله تعالى: فإن من الناس من إذا ابْتُلِيَ بفقر أو مرض أو جوعٍ حصل له من الجزع والسخط والنفاق ومرض القلب أو الكفر الظاهر أو ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يُوجب له ضررًا في دينه بحسب ذلك. فهذا كانت العافية خيرًا له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة المصيبة، إذًا فرق بين المصيبة وبين ما يترتب على المصيبة، كما أن أوجبت له المصيبة صبرًا وطاعة كانت في حقِّه نعمة دينية، فهي بعينها فعل الرب عز وجل رحمة للخلق، والله تبارك وتعالى محمودٌ عليها، فإن اقترن بها طاعة يعني من العبد كان ذلك نعمة ثانية، يعني هي تُكَفِّر، ثم قد تقتضي طاعة، أليس كذلك؟ فثَمَّ أمران إذًا كونها مكفرة، هذه نعمة، وكونها يترتب عليها إنابة وتوبة وحدوث عملٍ صالح هذه نعمة ثانية، كان ذلك نعمة ثانية على صاحبها، وإن اقترن بها للمؤمن معصية فهذا مما تتنوع فيه أحوال الناس كما تتنوع أحوالهم في العافية، فمن ابتليَ فرزق الصبر كان الصبر نعمة عليه في دينه، وحصل له بعد ما كُفِّرَ من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاة رب عليه حيث قال: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} ، فحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات، وهذا من أعظم النعم، والصبر واجب على كل مصاب، فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك. كلام جميل نحتاج إلى تأمل منا.
قول - صلى الله عليه وسلم: ( «وإذا أراد بعبده الشر» ) . قابل ( «إذا أراد الله بعبده الخير» ) . ( «وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه» ) يعني أَخَّرَ عنه العقوبة بسبب ذنبه، لم تأتِ العقوبة في الدنيا وهذا شرّ للعبد، والإمساك ( «أمسك» ) الإمساك فعلٌ من أفعال الله تعالى وليس معناه تعطيل الله عن الفعل، بل هو لم يزل ولا يزال فعالًا لِمَا يريد، لكنه يمسك عن الفعل في شيء ما لحكمة بالغة، ففعله حكمة، وإمساكه حكمة، وهو كذلك، ( «حتى يوافى به يوم القيامة» ) ، أي حتى يوافيه الله به أن يجازيه، ( «حتى يوافى» ) الموافاة المراد به ماذا؟ أن يأتي إلى الباري جل وعلا، فيجازيه به، يعني بالذنب لكونه لم يكفر في الدنيا، ( «حتى يوافى به يوم القيامة» ) أي لا يجازيه بذنبه في الدنيا حتى يجيء في الآخرة مستوفر الذنوب وافيها فيستوفي ما يستحقه من العقاب.
قال في (( التيسير ) ): وهذا مما يزهد العبد في الصحة الدائمة خوفًا أن تكون طيباته عُجِّلَتْ له في الحياة الدنيا. يعني لا يُصاب بالمرض، بعضهم يفرح، نقول: لا، احزن، لماذا؟ لأن المصائب التي منها الأمراض هذه مكفرة، فإذا لم يصبك مرض في بدنك ولم تصب بمصيبة منفصلة عنك حينئذٍ يُخشى أن تكون العقوبة قد أوجِّلَتْ لك في الآخرة، وهذا شرّ محض للإنسان.
مناسبة الحديث للباب:
فيه الحث على الصبر على المصائب والرضا بالقدر.
وفي الحديث: أن البلاء للمؤمن من علامات الخير، البلاء من علامات الخير، خلافًا لِمَا يظنه كثير من الناس من العوام وأشباه العوام.