وفيه الخوف من الصحة الدائمة أن تكون علامة شرّ، وفيه التنبيه على رجاء الله وحسن الظن به لِمَا يقضيه مما تفرح. يعني إذا أصابك المكروه حينئذٍ تعتقد ماذا؟ تحسن الظن بربك بمعنى أن هذا الذي أصابك رحمة ولطف منه، أراد تطهيرك ألا تخرج من هذه الدنيا وعليك شيء من دنس الذنوب، وهذه رحمة، وهذا حسن ظن بالرب جل وعلا.
وفيه معنى قوله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216] تكره الشيء لكنه العاقل يكون خير فيه، وهذه الجملة هي آخر الحديث.
فأما قوله: (وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء» ) .. إلى آخره فهو أول حديث آخر، لكن لَمَّا رواهما الترمذي بإسنادٍ واحد عن صحابي واحد جعلهما المصنف كالحديث الواحد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضي، ومن سخط فله السخط» ) . حسَّنه الترمذي. هذا الحديث رواه الترمذي ولفظه: قال حدثنا قتيبة قال حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنسٍ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ( «إذا أراد الله بعبده الخير» ) .. الحديث الذي قبل هذا، ثم قال: وبهذا الإسناد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «إن عظم الجزاء» ) .. الحديث، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورواه ابن ماجة كذلك.
وروى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد مرفوعًا: «إذا أحب الله قومًا ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جَزِعَ فله الجزع» . قال المنذري: رواته ثقات.
قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء» ) يعني كِبَر عِظَم بكسر العين، وفتح الظاء فيهما في الموضعين، ويجوز ضمها مع سكون الظاء، إذًا ( «عظم الجزاء» ) يعني كِبَر، أي من كان ابتلاؤه أعظم كمية وكيفًا كان ثوابه أعظم، وفضله أجزل، فعظمة الأجر وكثرة الثواب ( «مع عظم البلاء» ) كيفية وكمًّا جزاءً وفاقًا.
ولَمَّا كان الأنبياء عليهم السلام أعظم الناس جزاءً كانوا أشد الناس بلاءً، كما في حديث سعدٍ رضي الله تعالى عنه: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأنبياء» . الأنبياء أشد لأنهم أحب إلى الله تعالى «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلَى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاءه، وإن كان في دينه رِقَّة ابْتُلِيَ على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» . رواه الدارمي وابن ماجة والترمذي وصححه.