فهرس الكتاب

الصفحة 1454 من 2014

ولَمَّا كان الأنبياء عليهم السلام أفضل الأحباب كانوا أشد الناس بلاءً، وأصابهم من البلاء في الله ما لم يصب أحدًا لينال بذلك الثواب العظيم والرضوان الأكبر، وليتأسى بهم من بعدهم ويعلم أنهم بشر تصيبهم المحن والبلايا فلا يُعْبَدُون من دون الله تعالى. فإن قلتَ: كيف يبتلي الله أحبابه؟ يحبه ويبتليه، هل يجتمعان؟ نقول: نعم، لَمَّا كان أحد لا يخلو من ذنب كان الابتلاء تطهيرًا لهم، فابتلاء الأحباب ليس المراد البغض لهم، لا، وإنما أراد ماذا؟ لأن العبرة بالآخرة ليست بالدنيا، ميزان المؤمنين هو الآخرة، {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} . وحينئذٍ لا يخلو مؤمن من ذنب فيحتاج إلى ماذا؟ إلى تطهير فثَمَّ مصيبة تَحُلُّ به، قد يقال بأنه ليس عنده ذنب، يحتاج إلى رفعة درجات، فلا بد من صبر على ذلك، لَمَّا كان أحد لا يخلو من ذنب كان الابتلاء تطهيرًا لهم، كما صحت بذلك الأحاديث، ولأنه زيادة في درجاتهم لِمَا يحْصُل مع المصيبة للمؤمن من الأعمال الصالحة كما تقدم، ولأن ذلك يدعو إلى التوبة، فإن الله تعالى يبتلي العباد بعذاب الدنيا ليتوبوا من الذنوب كما قال تعالى {لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] فمن رزقه الله التوبة بسبب المصيبة كان ذلك من أعظم النعم التي أنعم الله بها عليهم، ولأن ذلك يحصل به دعاء الله تعالى والتضرع إليه. ولهذا ذمَّ الله من لا يستكين لربه ولا يتضرع عند حصول البأساء كما قال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} ... [المؤمنون: 76] وهذا مذموم، فالأصل إذا أصيب المؤمن حينئذٍ رجع إلى ربه لا يقسو قلبه بل يلين ويرجع إلى ربه ويتوب وينيب إليه.

قوله. ( «فمن رضي فله الرضا» ) أي من رضي بما قضاه الله وقدَّره عليه من الابتلاء فله الرضا من الله جزاءً وفاقًا كقوله: {رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} .

والرضا قد وصف الله به نفسه في مواضع من كتابه، ومذهب السلف إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما يليق بجلاله وعظمته، فإذا رضي الله عنه حصل له كل خير، وسَلِمَ من كل شرٍّ، والرضا هو أن يُسلِّم العبد أمره إلى الله ويُحسن الظن به، ويرغب في كلِّ ثوابه، أو يرغب في ثوابه.

وفيه دليل على فضيلة الرضا فلا يعترض على الحكم ولا يتسخَّطه ولا يكرهه.

قوله: ( «ومن سخط» ) بكسر الخاء، قال أبوالسعادات: السَّخَطُ. سَخِط هذا فعل، سَخَطُ هذا مصدر. قال أبو السعادات: السَّخَطُ الكراهية للشيء وعدم الرضا به، أي من سَخِطَ أقدار الله يعني سَخِطَ على الله فيما دبَّر هذا المراد، إذا لم يرضَ بهذه المقدرات المصائب، حينئذٍ سخط في ماذا؟ في تدبير الله تعالى. يكون سوء الظن بربه ( «فله السخط» ) أي من الله وكفى بذلك عقوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت