ثانيًا: عموم الْمُشْرَكِ به ووجهه أن ( {شَيْئًا} ) نكرة في سياق النهي فتعم، والنكرة في السياق النهي من صيغ العموم عند جماهير الأصوليين، إذًا بهذا النص لم يبق للشرك رائحة فضلًا أن يكون له شيء موجود، لأنه بالنهي عن قليله وكثيره، وبالنهي عن تعلق العبد بالمعبود أيًّا كان ذلك المعبود لم يبق شرك على وجه الأرض، وإنما يتخلص قوله جل وعلا: ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ} ) بالرب جل وعلا.
قال القرطبي رحمه الله: أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه ( {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ) . وسبق في (( كشف الشبهات ) )، أن ثَمَّ أصولًا في باب التوحيد هي من المحكمات ينبغي حفظها والعناية بها ومعرفة أدلتها، ومعنى أنها محكم يعني غير قابلة للنسخ واضحة بَيِّنَة لا يلتبس فيها اثنان، وإنما يقع الإشكال عند أهل البدع لهوى في أنفسهم، وأما أهل الحق والسلف ومن سار على نهجهم فلا لبس عندهم في مفهوم التوحيد، وكذلك في مفهوم الشرك، وهو واضح بَيِّن، ويعتبر من المحكم، بل من أحكم المحكم كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى، آيات الصفات وآيات التوحيد من أحكم المحكم، والمحكم: المراد به الواضح البَيِّن الذي لا يلتبس على شخص أيًّا كان ذاك الشخص، حتى العامي لو قرأ يفهم هذا الأصل فيه، أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه ليس منها شيء منسوخ لأنه خبر، والنسخ عند أهل الأصول يكاد يكون باتفاق أنه لا يدخل إلا الطلب الإنشاء ولا يدخل الأخبار.