( «مُغْبَرَّةٍ قدماه» ) ، ( «مُغْبَرَّةٍ» ) بالجر على أنه صفة ثانية أو ثالثة ( «آخذ» ) هذه صفة أولى، ( «أشعث» ) صفة ثانية، ( «مُغْبَرَّةٍ» ) صفة ثالثة، ولو جُعِلَ مغبرةً على أنه حال جاز، ( «مُغْبَرَّةٍ قدماه» ) من السير في سبيل الله قلنا بالجر صفة لثانية أو ثالثة لعبدٍ، أي من الغبار والتراب بخلاف المترفين المتنعمين، ( «إن كان في الحِراسة» ) إن كان هو ( «في الحِراسة» ) بكسر الحاء، أي حماية الجيش ومحافظتهم عن أن يهجم عليهم عدوهم، الحِراسة هي حراسة الجيش، كان في الحراسة ( «إن كان في الحراسة كان في الحراسة» ) يعني إن وضعته في حراسة الجيش حينئذٍ سَلّم وعمل بذلك لا يُنَازِع، أي فهو فيها ممثل غير مقصر بنومٍ ونحوه ولا غافل، ( «وإن كان في الساقة كان في الساقة» ) الساقة المراد به مؤخرة الجيش، مؤخرة يعني ليس بمقدمة الجيش، وإنما إما في الحراسة وإما في الساقة، وكل منهما محل مشقة، ولذلك ذكرهما، ( «وإن كان في الساقة» ) أي جعل في مؤخرة الجيش ( «كان في الساقة» ) يعني فهو فيها ويلزمها، ويقلب نفسه في مصالح الجهاد، فكل مقام يقوم فيه سواءٌ كان ليلًا أو نهارًا رغبةً في ثواب الله وطلبًا لمرضاته ومحبةً لطاعته. قال ابن الجوزي: المعنى أنه خامل الذكر لا يقصد السمو فأيّ موضع اتفق له كان فيه، لا يجادل ولا يُنازع لا يطلب أن يكون في الصدارة، وإنما أيُّ موضعٍ وضع فيه وحينئذٍ كان موفيًا له، فأين اتفق له السير سار، فكأنه قال: إن كان في الحراسة استمر فيها، وإن كان في الساقة استمر فيها، وإنما ذكر الحراسة والساقة لأنهما أشد مشقةً، وفيه فضيلة الحراسة في سبيل الله. قال: ( «إن استأذن لم يؤذن له» ) . ( «إن استأذن» ) يعني طلب الإذن [من الشيء أو] بالشيء طلب الإذن بالشيء ( «إن استأذن» ) أي استأذن على الأمراء هذا الأصل، ومن كان في حكمهم لم يأذنوا له، لأنه لا جاه له عندهم، ولا يقصد بعمله الدنيا فيطلبها منهم فليس من طلابها، وإنما يطلب ما عند الله لا يقصد بعمله سواه، ( «إن استأذن لم يؤذن له» ) يعني ليس له وجاهةٌ عند الحكام والملوك لأنه لا يدخل عليهم وليس له مطمع عندهم في شيء البتة، فلا يعرفوه ولا يقيموا له وزنًا، لكن له وزن عند الله تعالى.
الحال الثانية هذا الحال الأولى ( «إن استأذن لم يؤذن له وإن شَفَع لم يشفع» ) ( «وإن شَفَع» ) بفتح أوله وثانيه، والشفاعة هي التوسط للغير جلب منفعة أو دفع مضرة، ( «وإن شَفَع» ) أي لو أُلْجِأَ الحال إلى أن يشفع في أمرٍ يحبه الله ورسوله ( «لم يُشَفَّع» ) بتشديد الفاء مُغير الصيغة أي لم تقبل شفاعته عند الأمراء ونحوهم بل يردون شفاعته، وهذه الأمور ذكرها ... النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس للدلالة على أنه هين عند الله تعالى، وإنما لبيان أن حال من يعمل لله تعالى يكون على هذا الشأن، وهذه الأمور ونحوها لا تكون لهوان المؤمن على الله تعالى بل لكرامته، ولذلك قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فيه ترك حب الرئاسة والشهرة وفضل الخمول والتواضع، وفيه فضل الجهاد في سبيل الله.
مناسبة الحديث للباب: فيه ذم العمل لأجل الدنيا، ومدح العمل لأجل الآخرة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم الناس إلى قسّمين: