لَمَّا كانت الطاعة من أنواع العبادة، وعرفنا أن الله تعالى أمر بطاعته وأمر بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعل طاعة الرسول من طاعته، قال تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80] ، يعني ليس بطاعة هي مستقلة لأن النبي بل عامة الرسل لا يأتون بشيء من قبل أنفسهم، وإنما هو وحي من عند الله تعالى، وكل تشريع من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو وحيٌّ، قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] ، {وَمَا يَنطِقُ} ، {إِلَّا} ، (ما) (إلا) وهذه من صيغ الحصر، إذًا لا ينطق ليس المراد أنه يتكلم بكلام عاديّ؟ لا، المراد أنه إذا نطق ونسب شيئًا إلى الشرع أمرًا أو نهيًا فهو وحيٌ من عند الله تعالى، ويدل على ذلك التأكيد بقوله سبحانه: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80] لَمَّا كانت الطاعة من أنواع العبادة بل هي العبادة، فإنها أي العبادة طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسن رسله، وهذه العبادة باعتبار كونها اسمًا يعني باعتبار ما يُطلق عليه من الآحاد، وأما باعتبار المصدر المعنى المصدري الذي هو التعبد فعل الفاعل فهي غاية الحب مع غاية الذل، ومر معنا ذلك، لَمّا كان الأمر كذلك نَبَّه المصنف بهذه الترجمة على وجود اختصاص الخالق تبارك وتعالى بها، كما أنه جل وعلا يختص بكونه الذي يُصَلَّى له ويُصام له ويُسجد له ويُذبح له، كذلك الذي يُطاع هو الله تعالى، حينئذٍ من خصائصه كونه مشرعًا، فلا تشريع إلا من جهة الله جل وعلا، فنَبَّه المصنف بهذه الترجمة على وجود اختصاص الخالق تبارك وتعالى بها، وأنه لا يُطاع أحدٌ من الخلق أبدًا، هذا هو الأصل، لكن جاءت الأدلة تدل على أن طاعة غيرٍ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخلق فيها تفصيل، فجاء استثناء، وهو أنها إن كانت لا تخالف طاعة الله تعالى وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بمعنى أنهم لم يأمروا بما يخالف أمر الله تعالى وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهذا مستثنى للدليل، دل ذلك الدليل، فلا يُطاع أحدٌ من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجةً تحت طاعة الله تعالى، وإلا فلا تجب طاعة أحدٍ من الخلق استقلالًا أبدًا، إلا إذا كانت تابعةً لطاعة الله تعالى وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أما استقلالًا هكذا دون أن يرجع إلى كتابٍ وسنة دون أن يرجع إلى ما جاء به الرسل، هذا لا وجود له في الشرع البتة، وإنما يطاع العلماء مثلًا وهم المراد هنا، يُطاع العلماء إذا أمروا بما أمر الله به، وإذا نهوا عن ما نهى الله تعالى عنه، فحينئذٍ تكون طاعتهم تابعةً لطاعة الله تعالى، وأما إذا أمرُوا بما يخالف أمر الله تعالى أو نهيه حينئذٍ لا طاعة لهم البتة، فحينئذٍ غير النبي - صلى الله عليه وسلم - من المخلوقين لا طاعة لأحدٍ استقلالًا، هذا منفي ولا استثناء فيه، وحينئذٍ إذا كانت الطاعة تابعة لطاعة الله تعالى فهي مطلوبةٌ شرعًا، والمقصود هنا الطاعة خاصة كما قال في (( التيسير ) )يعني المتعلقة بالتحليل والتحريم، فلا تحليل إلا ما أحله الله، ولا تحريم إلا ما حرمه الله، ولا إيجاب إلا ما أوجبه الله، ولا