فلذلك ابن عباس لم يلتفت إلى قول أبي بكر وعمر في خلاف قوله، وهو يظن أن قوله هو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الأحق بالقول الصواب، وهو الأسعد بالدليل، فلما كان الأمر كذلك فاعْتُرِضَ عليه بكونك خالفت أبا بكرٍ وعمر، ويعلم أنه لا يجوز له أن يدع ما ظهر له من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقول أحدٍ كائنًا من كائن قال القول الذي سمعتموه، فإذا كان قول ابن عباس لَمِن عارضه بأبي بكرٍ وعمر، ومن أبو بكر وعمر؟! أبو بكر وعمر أفضل هذه الأمة وأقربها إلى الصواب، قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم: «إن يُطِيعُوا أبا بكرٍ وعمر يَرْشُدُوا» . وقال: «اقتدوا بالَّذَيْنِ من بعدي أبا بكرٍ وعمر» . وقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ» . هذه الأدلة لم يفهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن من جاءت التزكية في هذه النصوص، وهو أبو بكرٍ وعمر والخلفاء الأربعة لم يفهم أن أقوالهم حجةً، إذ لو فهم أن هذه النصوص تدل على الحجية للزم ابن عباس ولم يجز له أن يخرج عن الحجة التي بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن الثناء شيء والإلزام شيء آخر، ولذلك الإلزام نحتاج إلى دليل يدل على الوجوب، يعني ننظر في النصوص هل جاء في هذه النصوص مثل ما جاء في إيجاب الصلاة والزكاة والصوم والحج أم لا؟ إن جاء فعَلَى العين والرأس وإلا رجعنا إلى الأصل، وأما مجرد الثناء هذا نحتاج إلى دليل أخص من ذلك، فما تظنه يقول ابن عباس لَمَنْ يعارض سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقول من هو دونهم - يعني دون أبي بكرٍ وعمر -؟ بل ويجعل قوله عيارًا على الكتاب والسنة، فإذا كان ابن عباس يقول هذا القول وهو أنه يخشى أن تنزل حجارةٌ من السماء على من خالف الكتاب والسنة لأجل أنه تمسك بقول أبي بكرٍ وعمر، فكيف بمن دون أبي بكر وعمر؟ بل فكيف بمن جعل المعيار في الموافقة والردّ مُقدمًا هؤلاء مقدمًا على الكتاب والسنة يكون من بابٍ أولى وأحرى. [قال: فكيف بمن؟] قال هنا الشارح: بل يجعل قوله عيارًا على الكتاب والسنة، فما وافقه قَبِل وما خالفه رده أو تأوله. ولا شك أن هذا داخل في قوله تعالى: ( {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} ) . وفي كلام ابن عباس ما يدل على أنه من بلغه دليل فلم يأخذ به تقليدًا لإمامه فإنه يجب الإنكار عليه بالتغليظ، وهو كذلك، لأنه خالف الدليل يعني مخالفة الدليل، وأجمع الأئمة على هذا وأنه لا يسوغ التقليد إلا في مسائل الاجتهاد التي قد يخفى دليلها، وأما مسائل الخلاف التي الدليل يكون فيها واضحًا وظاهرًا فهذه يُنْكَرُ فيها فرق بين المسألتين، الآن يقول: لا إنكار في مسائل الخلاف. هذا التعبير خطأ، لا نقول: لا إنكار في مسائل الخلاف. وإنما يُصحح يقال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد.