والمراد بمسائل الاجتهاد المسائل التي لا يظهر لها دليل يكون خفيًّا فيقع النزاع بين أهل العلم، وأما مسائل الخلاف هذه لا، يكون ماذا؟ يكون القول مصادمًا للكتاب، أو يكون القول مصادمًا للسنة، حينئذٍ يجب الإنكار هنا، فكل من خالف دليلًا ظاهرًا حينئذٍ وجب الإنكار عليه، بل والتغليظ، وهذا قول ابن عباس على ذلك، قال: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء) . ليس مجرد إنكار، بل هَدَّدَ بماذا؟ بخشية العقوبة أن تنزل من السماء، فمسائل الاجتهاد هي التي قد يخفى دليلها، فهذا هو الذي عناه العلماء بقولهم: لا إنكار في مسائل الاجتهاد. وأما ما خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه بالإجماع لا خلاف فيه البتة، والمراد ما ظهر دليله، وفي قول ابن عباس ما يدل على أن فهمه للأدلة السابقة أنه لم يفهم من النصوص السابقة أن قول الصحابي حجة، هذا نضيفه إلى ما سبق، لو فهم أن قول أبي بكر وقول عمر حجة لما ساغ له أن يخالف وهو كذلك.
وفيه ذِكْرُ اسم العالم عند الرد لأنه قال ماذا؟ قال: (أبو بكر وعمر) فسمى أبا بكرٍ وسمى عمر وهو كذلك.
وفيه وجوب تقديم قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - على قول كل أحد، وأن مخالفة هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توجب العقوبة، وهو كذلك، ودليله قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] . ... الآية، وهذا فهمٌ وليس احتجاجًا كل ذلك نأخذه من فهم ابن عباس وليس المراد به أن نثبت أن فهم ابن عباس حجة، ولكن نقول: هذا الفهم صحيح موافق للكتاب والسنة.
مناسبة ذكر الأثر في الباب: أنه يدل على أن ابن عباس فَهِم تحريم طاعة العلماء والأمراء فيما خالف هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنها موجِبَةٌ للعقوبة، وهذا الفهم صحيح ثابت، وهذا صحابي حينئذٍ لا إشكال.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ) . وهذا كذلك قول للإمام أحمد رحمه الله تعالى، هذا القول رواه عن الإمام أحمد الفضل بن زياد وأبو طالب، قال الفضل ابن زياد عن أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول في ثلاثة وثلاثين موضعًا. وهذا كذلك يدل على أن قول الصحابي ليس بحجة، ووجهه أن الله تعالى أمر بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - باللفظ الصريح ورَتَّبَ العقوبة في غير موضع، ومع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه رسولًا تجب طاعته، أليس كذلك؟ مع كونه إذا أثبت أنه رسولٌ حينئذٍ جاء برسالة فوجبت طاعته، أليس كذلك؟ مع ذلك في ثلاث وثلاثين موضعًا يأمر بالطاعة، ولم يأتِ موضعٌ واحد يأمر بطاعة الصحابة، أو أحدٍ من الصحابة فيأتي السؤال هل ظهر للأمة وجوب طاعة الصحابة فلم يحتاجوا إلى الأمر به، ولم يظهر لهم طاعة وجوب طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فاحتاج أن يأمر بها في ثلاث وثلاثين موضعًا، أليس كذلك؟