كونه يأمر بطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث وثلاثين موضعًا من القرآن مع كونه لو لم يرد حرف واحد بالأمر كونه رسولًا، وقول المسلم أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله هذا التركيب يدل على وجوب طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك أكَّد هل ورد أمر بطاعة الصحابة؟ الجواب: لا، إذًا هل خَفِيَ على الناس طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - واتضح لهم كالشمس في رابعة النهار طاعة الصحابة؟ فنقول: طاعتهم واجبة ولم يرد نص. هذا يدل على ماذا؟ على ما ذكرنا، ثم جعل يتلو ( {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} ) ... الآية، وجعل يكررها، يعني يتأملها ويتدبرها، ويحتج بها على المخالف ويقول: (ما الفتنة إلا الشرك لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ، فيزيغ قلبه فيهلكه) . وجعل يتلو هذه الآية، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ... الآية.
وقال أبو طالب عن أحمد وقيل له: إن قومًا يدعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان. فقال: أعجب لقومٍ سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . وتدري ما الفتنة؟ الكفر، قال الله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] . فيدعون الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي. ومراد الإمام أحمد هنا ترك الكتاب والسنة والذهاب إلى رأي، ولذا قال: (رأي سفيان) إلى رأي سفيان ظاهره اجتهاد سفيان كغيره من العلماء بمعنى أن فهمه يُعرض على الكتاب والسنة، هذه قاعدة، قَاعدة شرعية، فهم سفيان كفهم الإمام أحمد يُعرض على الكتاب والسنة فالميزان هو الكتاب والسنة، قد يُصيب وقد يُخطِئ لأنه ليس بمعصوم، وكل ما لا ليس بمعصوم لا بد وأن يقع في فهمه الغلط والخطأ، حينئذٍ إذا قال قولًا من قِبَلِ نفسه اجتهادًا قال الإمام أحمد: يذهبون إلى رأي سفيان. هذا الذي عناه، وأما إذا ذكر المسألة بدليلها من الكتاب والسنة وكان ظاهر الاستدلال فهذا لا إشكال فيه، ولذلك أمر الله تعالى بطاعة العلماء، من هم؟ المتبعون للكتاب والسنة.
قوله: (عجبت لقوم) ، (عجبت) أي عَجَبَ إنكارٍ لا استحسان كما مرّ معنا في قوله: (عَجِبْتُ) . {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12] (بَلْ عَجِبْتُ) ، (لقومٍ عرفوا) أي إسناد الحديث، والمراد ما يتعلق بالسند من رجال وصيغ الأداء ونحو ذلك مما يترتب عليه القبول أو الردّ، ولذلك قال: (وصحته) يعني مع صحته، أي عرفوا صحة الحديث بمعرفة رجاله، وهل يلزم من صحة السند صحة الحديث؟ هل يلزم؟ هل يلزم إذا صحَّ السند صحة الحديث؟
الجواب: لا.