قال: وقد اتقى الله ما استطاع فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاد وهو كذلك وهذا محل وفاق، بل يثيبه على اجتهاد الذي أطاع به ربه، ولكن من علم أن هذا خطأ فيما أخطأ فيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعني إذا علمت بأن هذا العالم قد أخطأ حينئذٍ لا يجوز الإتباع، هو مغفورٌ له وهو مأجورٌ غير مأزور، لكن إذا وقفتَ على قولٍ يخالف قوله والدليل أرجح وأولى بالصواب حينئذٍ لا يجوز تقليد ذلك الذي يعتقد أنه أخطأ فيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإن علم ذلك ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فله نصيبٌ من هذا الشرك الذي ذمه الله جل وعلا لاسيما إن اتبعه في ذلك لهواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالفٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا شركٌ يستحق صاحبه العقوبة عليه، هذا متى؟ إذا علم بأن هذا العالم قد أخطأ ثم يتبعه على خطأه، بل وينصر قوله، بل ويجتهد في الدعوة إليه أو باللسان واليد ونحو ذلك، وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل كالعوام ونحوهم فقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة، وإنما يجتهد في ماذا؟ في اختيار من يقلد، لا يقلد أي أحدٍ وإنما يجتهد ويسأل من الذي هو أعلم بالكتاب والسنة، ومن الذي هو أورع العلماء، وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه ونصره بيده ولسانه من غير علمٍ أن الحق معه فهذا من أهل الجاهلية وما أكثر ما يقع الآن في النزاع في مثل هذه المسائل، ينصر من ينصر ولا يدري هل معه الحق أم مع مقابله وإنما لذاته فقط، هذا القول نسير معه لكونه صدر عن فلانٍ نقول: هذا من أهل الجاهلية، وما أكثرهم لا كَثَّرَهُم الله، فإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئًا كان آثمًا، كمن قال في القرآن برأيه فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار، هذا تفصيلٌ حسنٌ من شيخ الإسلام يحتاج إلى تأملٍ منكم.
مناسبة الحديث للباب: فيه أن طاعة المخلوق في معصية الخالق عبادةٌ له من دون الله تعالى، لاسيما في تشريع الأحكام، وسن القوانين المخالفة لحكم الله تعالى وهذا شركٌ أكبر، وهو واضحٌ من الدليل السابق لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «أليس يحرمون ما أحل الله» ) سماه ماذا؟ سمَّاه عبادة، ولم يرد في الدليل أنه كان عامًا، بل بمجرد فعلٍ واحدٍ حينئذٍ نقول: هذا داخلٌ في الحكم، فالحديث دل على أن طاعة العلماء وغيرهم من المخلوقين في تغيير أحكام الله إن كان المطيع يعرف مخالفتهم لشرع الله شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة.
وفيه أن التحليل والتحريم حقٌ لله تعالى ليس لمخلوقٍ البتة {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} [الأنعام: 57] .
وفيه بيان نوعٍ من أنواع الشرك وهو شرك الطاعة، شركٌ أكبر.
وفيه شمول معنى العبادة يعني ليست خاصة بماذا؟ بالصلاة والزكاة ونحوها، لا، بل الطاعة داخلةٌ في العبادة، وأنه يشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
قوله رحمه الله تعالى:
(فيه مسائل) :