قال: وكل من حاكم إلى غير حكم الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت وإن زعم أنه مؤمن فهو كاذب. لأن الزعم هنا يتعلق باللسان بأنه مسلم وبأنه قال لا إله إلا الله، وبأنه يجب أن يُحَكّم شرع الله، وبأن الإسلام هو الأصل حينئذٍ لنا العبرة بالعمل، حَكَّمَ ماذا؟ حكم الطاغوت، إذًا لو ادَّعَى ما ادَّعَى من الأقوال فهي دعاوى باطلة مردودة عليه، وسيأتي في الدليل الذي سيذكره المصنف نصًّا واضحًا يدل على ذلك، فكل من حَاكَمَ بمعنى أنه رَجَعَ عند التنازع إلى غير الكتاب والسنة، حينئذٍ يكون قد آمن بالطاغوت، ولم يؤمن بالله، إذًا الله عز وجل يقول: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} [البقرة: 256] . وهذا آمن بالطاغوت، فإذا لم يكفر بالطاغوت حينئذٍ لم يؤمن بالله، هذا واضح لا يحتاج إلى إعمال ذهن لأنه ظاهر النص، فعرفنا أن هذا من مقتضيات لا إله إلا الله، أما الدعاوى التي تكون باللسان هذه لا وزن لها، لأنه يكون قد كَذَّبَ قوله بفعله، وفعله الذي تلبس به وهو التحاكم إلى غير الشرع حينئذٍ نقول: هذا يُعتبر مقدمًا على قوله وإن زعم ما زعم، حينئذٍ يكون كاذبًا مدَّعِيًّا شيئًا لم يكن بقلبه البتة، ثم هذا التَّحَاكُم إلى غير شرع الله هذا كفر أكبر، والأصل فيه أن من تَلَبَّسَ به لا يُسأل عما اعتقد هذا الأصل فيه، حينئذٍ نقول: إذا تلبس بهذا الكفر الأكبر وتحاكم إلى غير شرع الله تعالى حينئذٍ مطلقًا لا نلتفت إلى إرادته، ولا إلى اعتقاده، ولا إلى ما يدَّعِيه بلسانه، وسيأتي قوله: {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 62] يعني ما أرادوا بعدولهم إلا الإصلاح فهذه الدعوى مردودة عليهم، ومر معنا من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في آية المحنة - وهذه من الأشياء التي ينبغي العناية بها وتأمل هذه الآية على وجه التمام - قال الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران: 31] الإتباع الذي نحكم على الشخص بأنه يحب الله تعالى هو ما يُظْهِرُهُ فإذا أظهر الإيمان حكمنا عليه بالإيمان، وأما محبته في القلب نقول: الله عز وجل جعل الإتباع دليلًا عليها إذا لم يتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل اتبع الطواغيت، وحَكَّم الطاغوت هل المحبة موجودةٌ في القلب؟ الجواب: لا. إذًا انتفاء الإتباع والتحاكم في موارد النزاع إلى الشرع دليلٌ على انتفاء المحبة، وانتفاء المحبة دليل على انتفاء الإيمان لأنه جعله ماذا؟ جعله شرطًا، فدل على أن من اتَّبَعَ الله تعالى، أطاع الله تعالى وأطاع رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو المؤمن، فمن عدل عن الشرع فليس بمؤمنٍ البتة.