فهرس الكتاب

الصفحة 1551 من 2014

قال ابن السعدي رحمه الله تعالى - في كلامٍ واضح بَيِّن: وكل من حاكم إلى غير حكم الله ورسوله فقد حاكم إلى الطاغوت وإن زعم أنه مؤمنٌ فهو كاذبٌ. لأن العبرة بماذا؟ العبرة بتلبسه بالكفر الأكبر، وأما القول فلا عبرة به البتة، فالإيمان لا يصح ولا يتم إلا بتحكيم الله ورسوله في أصول الدين وفروعه وفي كل الحقوق، فمن تَحَاكَمَ إلى غير الله ورسوله فقد اتَّخَذَ ذلك ربًّا يعني إلهًا - كما مر معنا - فقد اتخذ ذلك ربًّا وقد حاكم إلى الطاغوت. انتهى كلامه، وهذا كلام واضح بَيّن يدل على أن من تحاكم إلى غير شرع الله تعالى فقد تحاكم إلى الطاغوت وإذا تحاكم إلى الطاغوت فقد آمن به ولم يكفر به، ومعلوم أن الكفر بالطاغوت ركنٌ في التوحيد، فانتفائه يعني عدم الكفر به انتفاء للتوحيد، هل هذا المعنى فيه لبسٌ؟ ليس فيه لبسٌ، وهذا معنىً قطعي الثبوت بمعنى أنه ليس من المسائل الاجتهادية، بمعنى أنه مأخوذٌ من جميع النصوص الدالة على أولًا معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فليس النظر هنا في الأدلة الدالة على الكفر فحسب كما يظنه البعض، يعني ننظر في هذه الآيات التي ذكرها المصنف حينئذٍ قد يختلف فينا نظر الناظر، لا؟ النظر أولًا في ماذا؟ في معنى لا إله إلا الله وما تقتضيه لا إله إلا الله، فكيف يسلم بأنه لا معبود حقٌ إلا الله ثم يضع شريعة الله تعالى على جنبٍ ويتحاكم إلى غير شرع الله، هل هذا قال لا إله إلا الله؟ نقول: الجواب: لا. ولذلك هذا انتفت عنه شروط لا إله إلا الله من أصلها، لأنه لم يعلم ولم يَنْقَدْ ولم يُسَلِّمْ وهي استلزمت شهادة أن محمدًا رسول الله وقد انتقضت عنده، فحينئذٍ التوحيد من أصله منتقض وهذا معنى واضح، فالحكم بما أنزل الله فرضٌ، وترك الحكم بما أنزل الله وتحكيم غير ما أنزل الله، وتنزيل ذلك منزلة شرع الله كفرٌ أكبر فهو كفرٌ عملي ومَرَدُّهُ إلا العمل ليس إلى الاعتقاد، يعني لا ننظر إلى هل رضي أو لم يرضَ؟ هل يعتقد أو لا يعتقد؟ هذا كله دخيل على هذه المسألة من أصلها. وشركٌ أكبر بالله عز وجل لأن أفراد الله تعلى بالربوبية والألوهية يستلزم أن يُفْرَدَ في الحكم، وهو كذلك، إذا أفردت الله تعالى بالخلق والرَّزق وإحياء والإماتة لماذا لا تُفرده بالحكم؟ أليس الحكم من أفعال الرب جل وعلا؟ أليس الحكم من أفراد الألوهية التي تختص بالباري جل وعلا؟

الجواب: بلى. فلماذا يُفرد بالخلق والرَّزق والإحياء والإماتة، وإذا جاء في الحكم لم نفرده، حينئذٍ نقول: كما أنه لو ادَّعَى أن ثَمَّ خالقًا مع الله عز وجل فقد وقع في الشرك الأكبر، كذلك إذا ادَّعَى أن ثَمَّ من يتحاكم إليه غير الله تعالى فقد وقع في الشرك الأكبر، أليس كذلك؟ ولا نشترط الرضا في ادِّعَاء الخالق مع الله، وإنما نأخذه بما ظهر من حاله ولسانه ومقاله، كذلك إذا ادَّعَى بأن ثَمَّ حاكمًا مع الله تعالى فنأخذ بظاهره ومقاله وحاله ولا نلتفت إلى قلبه البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت