فهرس الكتاب

الصفحة 1556 من 2014

إذًا قوله تعالى: ( {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} ) استفهام إنكار وتعجب وتبكيت، ويدل على التحريم، وذمٌ لمن عدل عن الكتاب والسنة ورَغِبَ فيما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا، بمعنى أن الطاغوت أُطْلِقَ من اللفظ العام: هو مجاوزة العبد حدّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاع. لكن أراد هنا في هذا الموضع فردًا معينًا وهو التحاكم إلى غير شرع الله، [فمن لم يؤمن] فمن يؤمن قال هناك ( {يَهْدِ قَلْبَهُ} ) أليس كذلك؟ قلنا: الإيمان خاص هناك، إيمان بالنعمة، هنا كذلك الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به بالطاغوت، تحاكموا إلى الطاغوت أراد به فردًا معينًا ألا وهو كل حكمٍ خالف الشرع، كل حكمٍ خالف شرع الله تعالى فهو طاغوت، حينئذٍ استعمل اللفظ عام وأراد به الخاص، وذكر ذلك ابن كثير وذكره شراح (( كتاب التوحيد ) )أن الكفر بالطاغوت هنا في هذه الآية أراد به الكفر بما سوى شريعة الله تعالى حينئذٍ يكون ماذا؟ يكون باطلًا، ولذلك قال: وذمٌّ لمن عدل عن الكتاب والسنة ورغب فيما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا، كما تقدم من قول ابن القيم رحمه الله تعالى: والطاغوت كل ما تعدَّى به حدّه من الطغيان، وهو مجاوزة الحد فالطاغوت فعلُوت من الطغيان. والمراد به هنا كل حكمٍ خالف حكم الله ورسوله، وكل حاكمٍ يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله. يعني يُطلق ويراد به الحكم، ويطلق ويراد به الحاكم الشخص نفسه، ويُطلق ويراد به من دعا إلى التحاكم إلي غير شرع الله، كل واحد من هؤلاء طاغوت برأسه. إذًا:

الحكم نفسه قبل التلبس به نقول: هذا طاغوت.

إذا تلبس به الشخص نفسه فهو طاغوت كما نقول: الشرك صرف العبادة لغير لله. هذا معنى حينئذٍ يتلبس به صار ماذا؟ صار مشركًا، الشرك بعينه شركٌ، وهذا مشركٌ فمن دعا إلى الشرك ورضيه فهو مشرك، كذلك الطاغوت هنا يُراد به ماذا؟ الحكم عينه، وهو ما خالف حكم الله ورسوله، ويراد به الشخص نفسه المتحاكم إلى غير شرع الله، ويراد به كل داعٍ إلى التحاكم إلى غير شرع الله تعالى.

ولذلك نقول: المراد به هنا كل حكمٍ خالف حكم اللهِ ورسوله، وكل حاكمٍ يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله، فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو طاغوت، إذ قد تعدَّى به حدّه، ومن هذا كل من عبد شيئًا من دون الله فإنما عبد الطاغوت، أليس كذلك؟ المعنى واحد:

إذا عبد الحجر فالحجر طاغوت، والعابد طاغوت.

وإذا عبد الشجرة كذلك الشجر طاغوت، والعابد طاغوت.

إذا أراد التحاكم إلى غير شرع الله تعالى فكذلك عبد الطاغوت، لأن الطاعة عبادة نوع من أنواع العبادة، كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت