فهرس الكتاب

الصفحة 1568 من 2014

ولذلك قال الشوكاني كلامًا حسنًا هنا والمراد في الآية ( {لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ} ) بالنفاق وموالاة الكفر وتفريق الناس وصد الناس عن الإيمان بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - والقرآن، فإنكم إذا فعلتم ذلك فسد ما في الأرض، بهلاك الأبدان، وخراب الديار، وبطلان الذرائع كما هو مشاهدٌ عند ثوران الفتن والتنازع، ماذا قالوا؟ الجواب: ( {قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ) ، ... ( {إِنَّمَا} ) تفيد القصر يعني لا مصلح إلا نحن، وليس من صفاتنا الفساد، وإنما من صفاتنا فقط الإصلاح، وهذه دعوى كل منافق في كل زمان ... ( {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ) ، ( {إِنَّمَا} ) من أدوات القصر، وسبق أن الصلاح ضده الفساد، لَمَّا نهاهم الله عن الفساد الذي هو دأبهم أجابوا بهذ الدعوى العريضة، ونقلوا أنفسهم من الاتصاف بما هي عليه حقيقةً وهو الفساد إلى الاتصاف بما هو ضدٌّ لذلك وهو الصلاح، يعني لَمَّا قال الله تعالى لهم: ( {لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ} ) ماذا؟ ( {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ) نقلوا الصفة من حيث ماذا؟ من كونهم ليسوا مفسدين ولكنهم أهل صلاح، فهذه دعوى عريضة، ازدادت وقاحتهم في كونهم ادَّعَوا الحصر ليس دعوى الصلاح فحسب لو قالوا: نحن مصلحون كغيرنا كان أخف لكن قالوا: ( {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ) يعني لا مصلح إلا نحن، فأين محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وأين أصحابه رضي الله تعالى عنهم، هذا فيه تقليبٌ للحقائق. قال: ولم يقفوا عند هذا الكذب البحت والزور المحض حتى جعلوا صفة الصلاح مختصةً بهم خالصةً لهم، ردّ الله عليهم ذلك بأبلغ ردٍّ بقوله: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12] . يعني قلب عليهم دعواهم وأكدها بأربع مؤكدات هم أكدوا دعواهم بماذا؟ بمؤكدٍ واحدٍ وهو ( {إِنَّمَا} ) قال تعالى: {أَلا} هذه تنبيه {أَلا} إنما {هُمُ الْمُفْسِدُونَ} ، {أَلا} إنّ {هُمُ الْمُفْسِدُونَ} والجملة الاسمية هذه أربعة أشياء، هذا أبلغ ردٍّ، فردّ الله تعالى عليهم أبلغ ردٍّ في قوله: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} لِمَا يُفيده حرف التنبيه من تحقق ما بعده، يعني حرف التنبيه اعتبره الشوكاني هنا من المؤكدات، ولِما في (إن) من التأكيد، وما في تعريف الخبر مع توسط ضمير الفصل من الحصر المبالغ فيه بالجمع بين أمرين من الأمور المفيدة لهم، وردّهم إلى صفة الفساد التي هم متصفون بها في الحقيقة ردًّا مؤكدًا مبالغًا فيه بزيادةٍ على ما تضمنته دعواهم الكاذبة من مجرد الحصر المستفاد من ( {إِنَّمَا} ) إذًا ادَّعَوا أنهم مصلحون وأكدوا ذلك بـ (إنما) . ردّ الله تعالى عليهم بأنهم {هُمُ الْمُفْسِدُونَ} الذي هو ضدّ الصلاح الذي أثبتوه لأنفسهم وأكد ذلك الخبر بأربع مؤكدات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت