فهرس الكتاب

الصفحة 1573 من 2014

على كلٍّ من أجل ماذا؟ بعضهم ردّ هذا الحديث من حيث استعمال الهوى في كونه مما يحبه الله تعالى ويرضاه، وهذا لا يُعرف في الكتاب والسنة، لا يعرف كيف يقول: ( «حتى يكون» ) الهوى لا يُستعمل إلا في ماذا؟ إلا في الشهوات وفي خلاف الحقّ، فهل جاء الحقّ فيما يحبه الله تعالى ويرضاه، من أثبته حينئذٍ لا إشكال عنده في الحديث، ومن لم يثبته يبقى الإشكال فيه معلولًا من جهة المتن. ثم الهوى عند الإطلاق الميل إلى خلاف الحق ومنه {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] هذه قاعدة عامة، إتباع الهوى ضلال وإضلال، هل يكون الهوى بمعنى المحبة والإيمان؟ هذا محل خلاف. قال في (( التيسير ) ): وقد يُطلق على الميل والمحبة ليشمل الميل للحق وغيره، إذًا استعمل هذا وذاك، وربما استُعمل في محبة الحق خاصة والانقياد له كما في حديث صفوان بن عسال أنه سئل: هل سمعتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الهوى؟ وفي الحديث في قصة فيه أن الأعرابي سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم: المرء يحب القوم. هنا الهوى محبة. المرء يحب القوم ولَمَّا يلحق بهم. قال: «المرء مع من أحبَّ» . فسئل عن الهوى فأجاب بالمحبة، وهذه المحبة شرعية أو لا؟ شرعية، إذًا استعملوا الهوى على قلة في الحق.

والحديث قال الترمذي: حسن صحيح. والمقصود في الحديث لا يكون مؤمنًا يعني العبد كامل الإيمان حتى يكون ما تهواه نفسه وتحبه وتميل إليه تبعًا موافقًا لِمَا جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وحتى لا يخرج عنه إلى ما يخالفه بحال فهذه صفة أهل الإيمان الخلَّص، وأما أن كان بخلاف ذلك أو في بعض أحواله أو أكثرها فإنه ينتفي عنه من الإيمان كماله الواجب، إلا إذا انتفت المحبة من أصلها، وسُمِّيَ الهوى المخالف لِمَا جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - إِلَهًا جاء في القرآن {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] صار الهوى إله بمعنى أنه المعبود المطاع، وكل ما أُطيع فقد جعله ماذا؟ جعله إلَهًا، أي لا يهوى شيئًا إلا ركبه، ووصف المشركين بإتباع الهوى في مواضع كثيرة في القرآن، وقال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ} وجمع الأهواء هنا جمعها باعتبار ماذا؟ أن لكل واحد هوى، أليس كذلك؟ كل واحد له ما تميل إليه نفسه وتشتهيه فيختلفون، ولذلك قال: {أَهْوَاءهُمْ} ثم لا نهاية له، كل واحد له هوى ثُم هو يتعدَّى الخمر و .. و .. إلى آخره هذا كله من الهوى فصار متعدِّيًا فلا نهاية له البتة، وسائر البدع إنما تنشأ عن تقديم الهوى على الشرع مما يحبه الله ورسوله، وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه الله تعالى.

مناسبة الحديث للباب: ظاهرةٌ من جهة أن العبد لا يؤمن حتى يكون هواه تابعًا لِمَا جاء به رسول - صلى الله عليه وسلم - في كل شيءٍ، حتى في الحكم وغيره، فلا يتحاكم إلى غير الشرع البتة، فإذا حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بحكمٍ أو قضى بقضاء فهو الحق الذي لا مَحِيد للمؤمن عنه ولا اختيار له بعده.

ففي الحديث وجوب محبة كل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت