هذا الأثر رواه ابن جرير وابن المنذر بنحوه وسنده صحيحٌ إلى الشعبي وهو مرسل، والشعبي هو عامر بن شراحيل الكوفي عالم زمانه، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه. ومر معنا. (كان بين رجل من المنافقين) سماه من المنافقين يعني وصفه ليس المراد سماه، وردت في بعض الآثار في تسميته لكنها لا تصح. (كان بين رجل من المنافقين) هو من يظهر الإسلام المنافق من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وسُمِّيَ منافقًا من نافقاء اليربوع، وقد نافق اليربوع ونَفَّقَ، ومنه أخذ النِّفَاق الذي معنا وهو النفاق قال في (( المفردات ) ): الدخول في الشرع من بابٍ والخروج عنه من بابٍ. هذا جميل هذا، الدخول في الشرع من بابٍ والخروج عنه من بابٍ. وعلى ذلك نَبَّه بقوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] ومعلوم أن الفاسق من الْفِسْق وهو الخروج، أي الخارجون من الشرع والنَّفق هو الطريق النافذ والسرب في الأرض النافذ فيه، وقد جعل الله المنافقين شرًّا من الكافرين قال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145] . قال: (ورجل من اليهود) ، (رجل من المنافقين ورجل من اليهود) واليهود هم المنتسبون إلى دين موسى عليه السلام سُمُّوا بذلك لقوله: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أي تبنا. قال بعضهم: اليهود في الأصل من قوله: {هُدْنَا إِلَيْكَ} ، وكان اسم مدحٍ، ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازمًا لهم وإن لم يكن فيه معنى المدح، صار مذمومًا، كما أن النصارى في الأصل من قوله: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} [الصف: 14] ثم صار لازمًا لهم بعد نسخ شريعتهم. أو اليهود نسبة إلى أبيهم يهوذ بالذال ثم عُرِّبَ بالدال (كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة) أي جدلٌ، وتخاصم القوم واختصموا تجادلوا وتنازعوا (فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد) رغب في أن يحكم بينهما محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، أي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يذكره بوصف الرسالة لأنه لم يؤمن برسالته، ولكنه علم أنه عدلٌ ولا يحكم إلا بالعدل، ولا يتدنس بما تَدَنَّسَ به اليهود وهو أخذ الرِّشوة، عرف أنه يأخذ الرشوة، وهي بتثليث الراء رِشوة، رَشوة، رُشوة. أو لا؟ رِشوة، رَشوة، رُشوة قل ما شئت، وأصله من الرِّشاء الذي يوصل به إلى الماء، وهي الْجُعْلُ يعطيه أحد الخصمين للقاضي أو غيره ليحكم له، جعُل أينٍ كان مالًا، سيارةً، شهادة، أين كان، حينئذٍ يعطيه لأي شيء ليحكم له سواء كان قاضي أو غيره، فهي المال المدفوع للتوصل إلى شيء، والراشي هو من يُعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي هو الآخذ.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: قال أهل العلم في الرِّشوة لا تكون - وهذه فائدة فقط - لا تكون محرمةً إلا إذا أراد الإنسان أن يتوصل بها إلى باطلٍ أو دفع حقٍ، أما من بذلها ليتوصل بها إلى حقٍّ له منع منه أو ليدفع بها باطلًا عن نفسه فليست حرامًا على الباذل، أما على آخذها فحرامٌ. ... - انتبه -.