قال هنا: (وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود - لعلمه أنهم يأخذون الرّشوة) ، (قال المنافق) ، هذا اليهودي قال: نتحاكم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - علم وعرف أنه لا يؤخذ الرِّشوة، (قال المنافق) الذي يتظاهر بالإسلام الأصل أن يَدَّعِي ماذا؟ أنه مسلم فيتحاكم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنه قال: (نتحاكم إلى اليهود - لعلمه أنهم يأخذون الرِّشوة فاتفقا) على (أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه) انتهى قول الشعبي. وجهينة حي مشهور من قضاعة. والكاهن طاغوت هنا، الكاهن طاغوت يتحاكمون إليه كما في سائر أحياء العرب في الجاهلية، ومر معنا قول جابر في تفسير الطاغوت بهذا المعنى الذي ذكرناه هنا، طاغوت يتحاكمون إليه كما في سائر أحياء العرب في الجاهلية. فنزلت: ( {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} ) الآية فحينئذٍ اتضح المعنى بما ذُكِرَ.
وفيه - في هذا الأثر - ما يدل على أن المنافق يكون أشد كراهة لحكم الله ورسوله من اليهود والنصارى، وهو كذلك، وهو أشد عداوة منهم لأهل الإيمان كما هو الواقع في هذه الأزمنة وقبلها، من إعانتهم العدو على المسلمين وحرصهم على إطفاء نور الإسلام والإيمان، والتاريخ شاهد بذلك، وقد حذر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - من طاعتهم والقرب منهم وحضه على جهادهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التوبة: 73] كل منهما أمره بجهاده، لكن الكفار بالسلاح، والمنافقين باللسان أصحاب شُبَه حينئذٍ يحتاجون إلى ماذا؟ إلى العلم {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} .