فهرس الكتاب

الصفحة 1596 من 2014

وذكر ابن جرير وغيره عن جملة من الصحابة وغيرهم أن المحكم ما المراد بالمحكم هنا والمتشابه، لأنه قال ابن عباس ( «ويهلكون عند متشابهه» ) هل يعني ابن عباس أن أحاديث الصفات من المتشابه، في الظاهر قد يقال هذا؟ لكن يَرِدُ السؤال: ما هو المتشابه؟ لا شك أن ابن عباس في زمنٍ غير الزمن الذي تقرر فيه بعض المصطلحات عند المتأخرين، حينئذٍ المحكم عند السلف الناسخ الذي يُعْمَلُ به، والمتشابه هو المنسوخ. يعني يُطلق المحكم والمتشابه عند السلف بمعنى الناسخ والمنسوخ، وقيل: المتشابه هو آلم، آلمص، آلمر. يعني الحروف المقطعة التي في أوائل القرآن، هذان قولان، والأمر فيه سعة، لكن المراد هنا لم يقل أحدٌ من السلف لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم بإدخال أسماء الله وصفاته أو شيءٍ منها في المتشابه، هذا لا أثر له البتة، ليس ثَمّ قول صحابيٍ ولا تابعيٍ ولا أحد من أئمة السلف بأن آيات الصفات من المتشابه الذي استأثر الله بعلم معانيه أو لا معنى له، وهذا لم يقل به خلافًا للمتأخرة الذين يجعلون آيات الصفات من المتشابه. وقالوا: محكمٌ وهو ما اتضح معناه، والمتشابه وهو الذي لم يتضح معناه وهو الذي لا علم إلا لله تعالى به، وآيات الصفات من النوع الثاني، وهذا قولٌ باطل لم يقل به إلا الجهمية وإضرابهم، وأما السلف فلا يُعرف عنهم هذا القول البتة، بل هي حقٌ على حقيقتها ولها معانٍ حقيقة، وهذا إجماع السلف على ذلك، فهمها السلف على ما يليق بجلال الله وعظمته، وما قاله النفاة أنها من المتشابه دعوى بلا برهانٍ، وقد بينا ما يتعلق بذلك في أوائل (( اللمعة ) )وغيرها فيما يتعلق بآية آل عمران مما يتمسك به أهل البدع.

مناسبة الأثر للباب: بعد أن ذكر المصنف رحمه الله تعالى أثر عليٍّ الذي يدل على أنه لا ينبغي تحديث الناس بما لا يعرفون، أليس كذلك؟ (حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكَذَّبَ الله ورسوله) . هذا عام يَرِدُ السؤال هل آيات الصفات وأحاديث الصفات من هذا أو لا؟ فجاء بأثر ابن عباس، وابن عباس كان يحدث العامة بأحاديث الصفات. إذًا أحاديث الصفات ليس داخلةً فيما يُنهى تحديث الناس عنها، لكن لا بد من ماذا؟ من التأصيل والتقعيد لئلا يلتبس المعنى على الناس، أليس كذلك؟ لا بد أن تُبين معنى التحريف، ومعنى عدم المماثلة، ومعنى أن الصفة إذا أضيفت إلى الباري جل وعلا فالكيف حينئذٍ لا يكون معلومًا، والمعنى معلوم .. إلى آخر القواعد التي يذكرها أهل السنة والجماعة.

إذًا هنا قال لما ذكر أثر عليٍّ الذي يدل على أنه لا ينبغي تحديث الناس بما لا يعرفون ذكر هذا الأثر الذي يدل على أن نصوص الصفات ليست مما يُنهى عن التحديث به، بل ينبغي ذكرها وإعلانها فليس استنكار بعض الناس لها بمانع من ذكرها، فما زال العلماء قديمًا وحديثًا يقرؤون آيات الصفات وأحاديثها بحضرة العوام والخواص.

وفيه أن من رَدَّ شيئًا منها أو استنكره بعد صحته فهو ممن لم يفرق بين الحق والباطن، وهل ينكر عليه استنكاره؟ نقول: نعم، يُنكر عليه استنكار، بل يجب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت