هل يمكن أن يكون الإنسان مقرًّا مُنكرًا في وقت واحد؟ نقول: نعم هنا جمعوا بين النقيضين، اعترفوا بقلوبهم بأن هذه النعمة من الله، لكن أسندوها وأضافوها إلى غير الله تعالى، وسماه الله تعالى إنكارًا لأن قوله: ( {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} ) هذا حكمٌ من الشرع، و ( {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ} ) هذا حكم حسيّ لا يحتاج إلى دليل شرعي، وإنما الذي يحتاج إلى دليل شرعي هذه المعرفة مُعتبرة أم ليست معتبرة، فقوله: ( {يُنكِرُونَهَا} ) أي ينكرون إضافتها إلى الله لكونهم يُضيفونها إلى السبب متناسين المتسبب الذي هو الله جل وعلا، وليس المراد أنهم يُنكرون هذه النعمة مثل أن يقول قائلهم: ما جاءنا مطر. ونحوه، لا، هم يُسَلِّمون بوجود المطر، ويُسَلِّمُون بوجود الولد مثلًا والنعم ونحو ذلك، لكن بالإضافة أنكروها، مع كونها ماذا؟ موجودةً، ولكن يُنكرون بإضافتها لغير الله تعالى متناسين الذي خلق السبب فوُجِدَ به المسبب، وهو كذلك.
قوله: ( {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} ) أي الجاحدون لنعم الله أو الكافرون بالله، وعَبَّرَ هنا بالأكثر عن الكل مع قوله: ( {يَعْرِفُونَ} ) عبّر عن الكل، الواو هنا من صيغ العموم فتدل على ماذا؟ على الكلّ، وقال:
( {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} ) صحيح؟ إذًا ( {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ} ) أي جميعهم دون استثناء، ثم قال: ( {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} ) . وعبّر هنا بالأكثر عن الكل أو أراد بالأكثر العقلاء، يعني استعمل الأكثر وأراد به الكل، إذا أردنا التطابق بين أول الآية وآخرها، لأن قوله: ( {يَعْرِفُونَ} ) أي جميعهم، ثم قال: ( {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} ) . ( {وَأَكْثَرُهُمُ} ) أي لا جميعهم، حينئذٍ عَبّر بالأكثر عن الكل فاستقام اللفظان، هذا وجه.
وقيل: أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم، لأنه هم الذين تستند إليهم الأحكام، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك، أليس كذلك؟ يعرفون نعمت الله وأكثرهم الكافرون، الكفر هنا كفر الجحود وليس كل الكفار يكونوا جاحدين، بل كان بعض كفرهم بعضهم كفرهم كفر جهل، وكفر بعضهم بسبب تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع اعترافهم بالله وعدم الجحد لربوبيته. إذًا يؤول على أحد التأويلات المذكورة.