قال المصنف رحمه الله تعالى ذاكرًا لبعض الآثار الواردة في تفسير هذه الآية: (قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي) . أراد أن يُمَثِّلُ بماذا؟ ( {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} ) ينكرون بماذا؟ ماذا يقولون؟ يقول: هذا مالي ورثته عن آبائي. فقط؟ الإنكار لا يكون إلا بهذا؟ نقول: لا، هذا ذكرٌ لبعض أفراد اللفظ، فعرفنا القاعدة المهمة جدًّا التي ينبغي استحضارها عند قراءة كل قول للسلف: وهو أنهم يذكرون فردًا من أفراد اللفظ ويتركون كثيرًا مما يتعلق باللفظ، لماذا؟ لأن مراده بيان متعلق اللفظ فيحصل بمثال واحد، كما يقول النحاة: الفاعل مرفوع مثل جاء زيدٌ، ليس عندنا إلا جاء زيدٌ؟ لا، وإنما آلاف ما يدخل تحت هذه القاعدة لكن أرادوا مثال ليبين هذه القاعدة، (قال مجاهد ما معناه) يعني كلامًا معناه حينئذٍ تكون نكرة موصوفة (هو قول الرجل) ومثله المرأة، فليس الحكم خاصًا بالرجل، (هذا مالي ورثته عن آبائي) هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبو حاتم، ولفظه كما في (( الدرِّ ) )، قال: المساكن والأنعام وسرابيل الثياب والحديد يعرفه كفار قريش، ثم ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم. يعني فيه ماذا؟ فيه نسيان للمتسبب الحقيقي وهو الله عز وجل.
قال ابن القيم: لَمّا أضافوا النعمة. هذا الأثر هو الأثر بلفظه، ولذلك المصنف (هذا مالي ورثته عن آبائي) قرَّب اللفظ، وإلا أرادوا ماذا؟ المساكن والأنعام .. إلى آخره، حينئذٍ يكون بمعنى ما ذُكر، ولذلك قال: (قال مجاهد ما معناه) . فليس هذا اللفظ لمجاهد، وإنما اللفظ هو قوله: المساكن والأنعام وسرابيل الثياب والحديد يعرفه كفار قريس ثم ينكرونه بأن يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لَمَّا أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره، فإن الذي يقول: هذا جاحد لنعمة الله تعالى. هذا المال جاءني من جهة الإرث، هذا المال جاءني من جهة وظفية كذا، نقول: هذا نسبة النعمة إلى غير الباري جل وعلا، وهذا كفر بها كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى.
جاحد لنعمة الله عليه غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكَّرَهما الملك بنعم الله عليهما فأنكراها وقالا: إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابرٍ. وسيأتي الحديث بلفظه، وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم الله بها على آبائهم، ثم وَرَّثَهُم إياها فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه. إذًا أبلغُ في ماذا؟ في الإنعام، مالٌ ورثته أنت عن أبيك، تمتع به أبوك، ثم انتهى وخرج من الدنيا انتقل إليك، إذًا مال واحد تمتع به أبوك ثم أنت، فهو أبلغ في النعمة من مالٍ تتمتع به وحدك أنت، فمراد مجاهد هنا أن يُضيف هذا الشيء الذي هو المال، أن يُضيف تملكه للمال إلى السبب الذي هو الإرث متناسيًا المسبِّب الذي هو الله عز وجل على القاعدة السابقة، أما إذا أضافه، يعني أضاف الْمِلْك والمال على سبيل الخبر فلا شيء فيه. لو قال له: من أين لك هذا المال؟ قال: ورثته عن آبائي.