ومعتقدًا أن المسبِّب الحقيقي هو الله عز وجل، نقول: هذا من باب الخبر. ودل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سُئِلَ عن منازله لما جاء إلى مكة قال - صلى الله عليه وسلم: «وهل ترك لنا عَقِيل من دار أو رباعٍ» . حينئذٍ نقول: هذا يدل على ماذا؟ على خبرٍ بَيَّن به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا انتقل إلى عقيل، فإذا كان كذلك فالإخبار المحض لا إشكال فيه في مثل هذا التركيب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا) . هذا الأثر رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ولفظه كما في (الدُّرّ) : لولا فلان أصابني كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا. لولا في الإثبات والنفي.
وعون هذا هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أو عبد الله الكوفي الزاهد، روى عن أبيه وعائشة وابن عباس، وعنه قتادة وأبو الزبير والزهري ثقة عابد، مات سنة عشرين ومائة.
قوله: (يقولون: لولا فلان لم يكن كذا) .
قال ابن القيم: هذا يتضمن قطع إضافة النعم عمن لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا فضلًا عن غيره، وغايته أن يكون جزءًا من أجزاء السبب، أجرى الله نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد، وجعله سببًا هو من نعم الله عليه، فهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم لما جعله من أسبابها، فالسبَب والمسبَّب من إنعامه، يعني السبّب من عند الله تعالى وهو نعمة، وما ترتب على السبَّب وهو خلق لله تعالى فهو نعمة، وهو تعالى فالسبَب والمسبَّب من إنعامه وهو تعالى كما أنه قد ينعم بذلك السبب فقد يُنعم بدونه ولا يكون له أثر، يوجد السبب ولا يترتب عليه المسبَّب، وقد مر معنا ذلك، كما أنه قد يُنعم بذلك السبَب فقد ينعم بدونه ولا يكون له أثر وقد يَسْلُبُهُ سَبَبِيَّته، وقد يجعل له معارضًا يقاومه، وقد يرتب يعني الله عز وجل، وقد يرتب على السبَب ضد مقتضاه فهو وحده المنعم على الحقيقية، إذًا المنعم بالسبب هو الله عز وجل، المنعم بالمسبَّب المترتب على السبب هو الله عز وجل، إذًا السبَب من إنعامه والمسبَّب من إنعامه فالواجب إضافة السبب والمسبَّب إلى الله جل وعلا.
وقول ابن القيم رحمه الله تعالى محمول على نوع من الإضافة، وإلا فقول القائل: (لولا فلان لم يكن) . هذا فيه تفصيل، قد يجوز وقد لا يجوز ... (لولا فلان لم يكن كذا) فيه تفصيل، إن أراد به الخبر، وكان الخبر صدقًا مطابقًا للواقع فلا بأس، كدت أهلك لولا فلان وأخذني إلى الطبيب مثلًا، هذا جائز إذا أراد ماذا؟ إخبار بما وقع وبما حصل، وأما السببية فيعتقد أن المسبِّب هو الله عز وجل، الذي بعث هذا الشخص هو الله عز وجل، فأخبر بما وقع وبما حصل، وأما إن أراد بها السبب ليس المراد بها الخبر المحض فذلك له ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون سببًا خفيًّا لا تأثير له إطلاقًا، كقوله: لولا الولي فلان. وهذا عند أهل الشرك عباد القبور، لولا الولي فلان ما حصل كذا وكذا، هذا شركٌ أكبر اعتقد الشرك، باعتقاده أن لهذا الولي التصرف في الكون مع أنه ميت لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا.