فهرس الكتاب

الصفحة 1604 من 2014

الثاني: أن يُضيفه إلى سبَبٍ صحيح ثابتٍ شرعًا وقدرًا، وهذا جائز، لكن بشرط أن لا يعتقد أن السبَب مؤثر بنفسه متناسيًا المسبِّب الحقيقي، هذا لا بأس به.

الثالث: أن يُضيفه إلى سبب ظاهر لكن لم يثبت كونه سببًا لا شرعًا ولا قدرًا، وهذا شركٌ أصغر كالاستسقاء بالأنواء الذي مر تفصيله فيما سبق والقلائد والتولة ونحو ذلك.

دلّ على ذلك التفصيل قوله - صلى الله عليه وسلم: «لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» . سببٌ صحيح شرعي؟ سببٌ صحيح شرعي، وأضاف. ما قال: لولا الله ثم أنا، مع أنه لو قال لا إشكال فيه، ولو قال هذا التركيب مع اعتقاد الخبرية فقط حينئذٍ لا إشكال فيه، أو السببية مع عدم تناسي المسبِّب الحقيقي لا إشكال فيه، إذًا لولا ليست مطلقة ممنوعة، النبي - صلى الله عليه وسلم - لا شك أنه أبعد الناس عن الشرك بحذافيره وقد استعمل هذا اللفظ.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا) ابن قتيبة هو عبد الله بن مسلم بن قتبية الدينوري الحافظ النحوي اللغوي صاحب التصانيف البديعة المشهورة، روى عن إسحاق بن راهويه وجماعة، توفي سنة سبع وستين ومائتين أو قبلها، (يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا) هذا قول المشركين أهل الشرك الأكبر، إذا رأوا نعمة قالوا: هذا بشفاعة آلهتنا. إذًا أشركوا بالله تعالى شركًا أكبر، ثم نَسَبُوا النعم إلى ماذا؟ إلى هذه الآلهة، لماذا؟ لأنهم أرادوا الشفاعة الشركية، أي أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم. أقروا بأن الله هو الذي يرزقكم، أليس كذلك؟ إذا سئلوا من رزقكم؟ قالوا: الله. جاء في غير نصٍّ، [ثم يُنكرونه بقولهم رزقنا الله] ، نعم ثم ينكرونه بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. الله هو الرازق اعترفوا بذلك، ثم أنكروا، أنكروا لماذا؟ قالوا: رزقنا بواسطة آلهتنا، فتقدموا إلى الآلهة بالشفاعة، ثم بعد ذلك رزقهم الله تعالى. وهذا شركٌ أكبر، ثم يُنكروه بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا. وهذا يتضمن الشرك مع إضافة النعم إلى غير وليها، فالآلهة التي تُعبد من دون الله أحقر وأذل من أن تشفع عند الله وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها في النار، وأقرب الخلق إلى الله وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه، فالشفاعة بإذنه من نعمه فهو المنعم بالشفاعة، وهو المنعم بقبولها، وهو المنعم بتأهيل المشفوع له، إذ ليس كل أحدٍ أهلًا أن يَشفع له، فمن المنعم على الحقيقة سواه؟ الله عز وجل.

قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53] . فالعبد لا خروج له عن نعمة الله وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا ذمّ سبحانه من آتاه شيئًا من نعمه فقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} . فهؤلاء القائلون (هذا بشفاعة آلهتنا) أخبث ممن سبقهم لأنهم مشركون يعبدون غير الله، ثم يقولون: هذه النعم حصلت بشفاعة آلهتهم، فالعزى مثلًا شفعت عند الله أن يُنزل المطر، فهؤلاء أثبتوا سببًا أبطل الأسباب، أثبتوا سببًا هو أبطل الأسباب، وهي الشفاعة الشركية، فجمعوا بين أمرين: الشرك بهذه الآلهة، وإثبات سببٍ غير صحيح كما مر معنا في باب الشفاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت