قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} ، {الَّذِي خَلَقَكُمْ} هذه صفة كاشفة، تقوم مقام التعليل، فأمرهم بالعبادة والذي هو التوحيد، وبيَّن العلة لذلك، فجمع بين التوحيدين، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} هذا توحيد العبادة، {الَّذِي خَلَقَكُمْ} هذا دليل حينئذٍ جُعِلَ الخلق الذي هو فرد من أفراد الربوبية دليلًا على إفراد الباري جلّ وعلا بالعبادة، وقد مر معنا ذلك. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] يعني تنجون من عذاب الله، ثم عدَّدَ بعض مفردات ما يتعلق بتوحيد الربوبية وأفعاله جل وعلا التي يُسَلِّمُ بها الموافق والمخالف، يعني حتى المشركون سَلَّمُوا بأن الله تعالى لا يُشاركه شيء في هذه الأفعال، فذكر منها {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} أي ومن كان هذا وصفه فهو المستحق أن يُعبد وحده، فما دام أنكم سلَّمتم بأن هذه المفعولات، وهذه الأفعال لا تكون إلا لله تعالى الذي فعل ذلك هو المستحق للعبادة، إذا كان ثَمَّ تناقض بينهما حينئذٍ لَزِمَ أن عقولهم فيها خلل، إذا مَنْ سلَّم بأن الله هو الخالق لَزِمَهُ أن يُفرده جل وعلا بالعبادة، أي ومن كان هذا وصفه فهو المستحق أن يُعْبَدَ وحده، فذكر سبحانه ما يُقِرُّ به هؤلاء من أفعاله التي لم يفعلها غيره، سَلَّمُوا بذلك {مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} قالوا: الله، من جعل الأرض فراشًا والسماء بناء، من الذي أنزل من السماء ماء، من الذي أخرج الثمرات؟ الله، كل المشركين يُقِرُّون بذلك، فذكر سبحانه ما يُقِرُّ به هؤلاء من أفعاله التي لم يفعلها غيره، فكل من أقر بذلك لَزِمَه أن لا يعبد إلا الْمُقَرَّ له، لَزِمَه ماذا؟ أن يعبد من فعل تلك الأفعال، كما أنه لا يُشْرُكُهُ أحد في تلك الأفعال، كذلك لا يَشْرَكُهُ أحد في عبادته جل وعلا، لأنه لا يستحق العبادة من لا يفعل ذلك، ولذلك أتى بالفاء الدالة على ماذا؟ على التفريع والسببية، أي فبسبب ذلك لا تجعلوا لله أندادًا، كالتعليل الذي ذكرناه سابقًا الذي خلقكم {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} ، {الَّذِي خَلَقَكُمْ} كالتعليل، ثم ذكر بعض أفعاله فجعل النهي عن الوقوع في الشرك في العبادة مفرعًا عليه، كما أنه الذي {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} والذي أنزل من السماء ماء ..