الجواب الثاني: أن هذا اللفظ يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم به، يعني الرواية الثابتة ولا مطعن فيها كما قال ابن عبد البر، والأصل حمل لفظ الراوي على الصحة، إلا بدليل واضح ولا يُطعن في ذلك، ولو كانت اللفظة في ظاهرها مخالفة للأصول، ما دام أنه يمكن الجمع بينها وبين الأصول فحينئذٍ لا نطعن في الرواية. فقالوا: أن هذا اللفظ يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم به، والنهي حينئذٍ إنما ورد في حقِّ من قصد حقيقة الحلف، فمن حلف بغير الله حينئذٍ هل قصدك التعظيم أو لا، أو أنها كلمة تجري على اللسان، يعني كلمة تعتبر من العادات، وإذا كانت من العادات فلا إشكال فيه، وليس بمنهي عنها، وإنما المنهي عنه ماذا؟ إذا قصد التعظيم، وهذا قول باطل، لأن النصوص عامة مطلقة، وليس فيها تفصيل البتة، ولذلك قال: النهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف، وهذا ذكره البيهقي، وقال النووي: إنه المرضي. ولكن هذا الجواب فيه نظر.
والجواب عليه بماذا؟ عموم الأحاديث. قال: ( «من حلف بغير الله» ) . إذًا علَّق الحكم على ماذا؟ على اللفظ حلف بغير الله، جاء بالصيغة، جاء بحرف من أحرف القسم وجاء بمخلوق، حينئذٍ نقول: هذا منهي عنه، واللفظ عام يشمل ماذا؟ يشمل قصد أو لم يقصد. نعم لا شك إذا جرى على لسانه ولم يقصده أنه معفو عنه، لكن ليس هذا بحثنا، البحث في ماذا؟ هل يجوز أو لا يجوز، لكن إذا جرى على لسان ولم يقصد الحلف، بل خطأ ونحو ذلك هذا معفو عنه مع كونه ماذا؟ وقع في محظور، الأصل فيه أنه وقع في محظور، لكن النسيان يُعتبر من عوارض الأهلية فيرتفع عنه الإثم، ولكن هذا الجواب فيه نظر لأن أحاديث النهي عامة مطلقة، ليس فيها تفريق بين من قصد القسم وبين من لم يقصد، يؤيد ذلك أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حلف مرة باللات والعزى، ويبعد أن يكون أراد حقيقة الحلف بهما، سعد بن أبي وقّاص هذا صحابيّ، وإنما جرى على لسانه فحلف باللات والعزى، ولكنه جرى على لسانه من غير قصد على ما كانوا يعتادونه قبل ذلك، ومع هذا نهاه النبي صلى الله عليه وسلم. فدل ذلك على أن لو كان الحالف بغير الله تعالى لم يقصد الحلف، لم يقصد التعظيم، وإنما جرى على لسانه فكذلك هو داخل في النهي.
القول الثالث أو الجواب الثالث: أن مثل ذلك يقصد به التأكيد لا التعظيم، وإنما وقع النهي عما يقصد به التعظيم. وهذا باطل، لماذا؟ لأن الحلف يقصد به التعظيم فكيف يقال هذا يقصد به التأكيد لا التعظيم، «أفلح وأبيه إن صدق» . قصد به التأكيد ولم يقصد به التعظيم، وما الفائدة من الحلف إلا التوكيد والتعظيم، نحن نقول: هذا تفرقة بين ماذا؟ بين متماثلين، وهذا باطل، وهذا فاسد لأنه لا يُراد بالحلف إلا تأكيد المحلوف عليه بذكر من يعظمه الحالف والمحلوف له؟ وهذا يرده ما سبق.
والأحاديث كذلك عامة مطلقة، ليس فيها تفريق.