فهرس الكتاب

الصفحة 1628 من 2014

-والصورة الثانية: وهي من أندر ما يكون وهذا مثال لها: أن لا يكون في الجانبين منه شيء، لا هذا ولا ذاك، (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا) كلاهما منتفيان، ابن مسعود لا يرضى هذا ولا ذاك، إذًا أحب أراد به اسم التفضيل يُنتزع منه المشاركة بين الجانبين، فكلاهما منبوذ عند ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، لكن إن سُلِّمَ وإن وقع فهو أولى عنده كذا من كذا، لكن الأصل فيه ماذا؟ الأصل أن ما كان مشاركًا من الجانبين ليس مرادًا هنا فليس على بابه، فليس فيه شيء من الجانبين، فابن مسعود لا يحب هذا ولا ذاك.

قال هنا: وإنما رجَّح ابن مسعود. وقوله: (كاذبًا) إيش إعرابها؟ حال من فاعل أحلف، (لأن أحلف) أنا المتكلم، (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا) . (صادقًا) كذلك حال.

وإنما رجَّح ابن مسعود الحلف بالله كاذبًا على الحلف بغيره صادقًا، لأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، مقابل له [نعم] ، والحلف بالله كاذبًا كبيرة من الكبائر، إذًا الحلف بالله توحيد، وهو صادق، حلف بالله صادقًا، حينئذٍ قال: توحيد. حلف بغير الله تعالى، وهو شرك ولو كان صادقًا؟ ولو كان صادقًا، والحلف بالله كاذبًا معصية كبيرة من الكبائر، فيكون ماذا؟ دون الشرك، وإن قُدِّرَ الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، يعني لو قال بأنه يحلف بغير الله صادقًا الصدق حسنة، لكن نقول: جئت بماذا؟ بشرك، فكيف يُقابل الصدق بالشرك، ولذلك قال ابن تيمية: وإن قُدِّرَ الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. وهذا واضح بيِّن، ولأن الحلف بغير الله وإن كان شركًا أصغر فهو أكبر من الكبائر، قيل بإجماع السلف. أكبر من المقصود به الجنس، الجنس الشرك الأصغر أعظم من جنس الكبائر، لكن قد يقوم بالعبد فرد من أفراد الكبائر ما يكون في حقِّه أعظم من الشرك الأصغر، وهذا ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى موسعًا في (( المدارج ) ).

ثم الحلف بالله كاذبًا محرم من وجهين:

أولًا: أنه كذب، والكذب محرم لذاته.

ثانيًّا: أن هذا الكذب قُرِنَ باليمين، واليمين تعظيم لله تعالى، فإذا كان على كذبٍ صار فيه شيء من تنقِّصٍ للباري جل وعلا، حيث جعل اسمه مؤكِدًا لأمر الكذب. إذًا اجتمع فيه أمران:

أولًا: الكذب وهذا محرم.

ثانيًا: قرن بيمينه اسم الله تعالى. والأصل في اليمين التعظيم، وحينئذٍ إذا أراد أن يُعظم الله تعالى في أمر هو في حقيقته تَنَقُّص صار ماذا؟ صار تناقصًا.

وأما الحلف بغير الله صادقًا فهو محرم من وجهٍ واحد وهو الشرك، لكن سيئة الشرك كما ذكرنا أعظم من سيئة الكذب وأعظم من سيئة الحلف بالله كاذبًا.

مناسبة الأثر للباب: أنه يدل على تحريم الكذب بغير الله. وفيه شاهد للقاعدة: ارتكاب أقل الشرّين أو الضررين ماذا؟ أخفّ من، إذا كان لا بد من أحدهما. يعني ارتكاب أخف الضررين.

ارتكب الأخف من ضريّنَِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت