فقوله: ( «من حلف بالله فليصدق» ) أي فليكن صادقًا في يمينه، وهل يُشترط القطع أم يكفي الظن؟ الثاني. يعني إذا أراد أن يحلف على شيء، والله ما جاء زيد، وأنا ليس عندي يقين، هل يجوز الحلف على مجرد الظن أو لا، ترجح عندي نعم يجوز، يجوز أن يحلف على لأن الظن معتبر في سائر الأحكام الشرعية، أليس كذلك؟ إذا ظن طلوع الفجر لا يجوز له أن يأكل ويشرب، أليس كذلك؟ إذا ظن بقاء الليل ولو لم يقطع به لا يزال أن يأكل ويشرب، هذا للصائم، حينئذٍ نقول: الظن هنا معتبر كذلك، فإذا ظن أمرًا ما، حينئذٍ حلف بالله تعالى، نقول: هذا صادق، لو تبين بعد ذلك أنه لم يكن كذلك، حينئذٍ لا حرج عليه، لماذا؟ لأن الظنون معتبرة هنا، بل غالب الأحكام وخاصة في هذه الأخبار مبناها على الظن، ويكفي ظن المطابقة فله أن يحلف على ما يغلب على ظنه، كقول الأعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم: والله ما بين لابَتَيْهَا أهل بيت أفقر مني. قطعًا؟ لا، ليس قطعًا، ومع ذلك حلف بالله عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليه. وهذا اعتبر فيه الظن، وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله: ( «ومن حُلِفَ له بالله فليرض» ) أي وجوبًا كما يدل عليه قوله: ( «ومن لم يرض فليس من الله» ) ولفظ ابن ماجة، «ومن لم يرض بالله فليس من الله» . وهذا لا شك أنه وعيد لقوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28] بل وعيد شديد. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فقد برئ من الله. وهذا عام في الدعاوى وغيرها، النص هنا عام، ليس خاصًّا، يعني ( «ومن حُلِفَ له بالله فليرض» ) هل هو عند الحاكم والقاضي فقط؟ أم أنه حتى في اعتياد الناس ومجريات الحياة؟ لا شك أن الحديث عام، فيبقى على عمومه، وهذا عام في الدعاوى وغيرها، ما لم يفضِ إلى إلغاء حكم شرعي، كمن تشهد عليه البينة الشرعية فيحلف على تكذيبها، فلا يُقبل حلفه، يعني هذا من خصائص القاضي.
قال في (( التيسير ) )عن المصنف: أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوى، كمن يتحاكم عند الحاكم فيحكم على خصمه باليمين، فيحلف فيجب عليه أن يرضى. يعني مراده ( «ومن حُلِفَ له بالله فليرض» ) ليس في معاملات الناس، وإنما هذا عند القاضي فحسب، إذا تعيَّنت عليه اليمين ولم يكن ثَمَّ بينة فعليه وجب عليه أن يحلف، ووجب المقابل الخصم أن يرضى، لكن هذا التقييد لا يُسلَّم، وإنما نقول: هذا الحكم عام، لأن اللفظ هنا عام. قال: ( «من حلف بالله فليصدق، ومن حُلِفَ» ) إذًا نقول: ( «ومن حُلِفَ له» ) ، ( «من» ) شرطية، وهي من صيغ العموم، يحتاج إلى تقييد، يحتاج إلى تخصيص، وليس ثَمَّ مخصص.