والعبد وإن كان له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله تعالى، ولا قدرة له يعني للعبد على أن يشاء شيئًا إلا إذا كان الله قد شاءه كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} ، دلّ ذلك على إثبات المشيئة للعبد، و {وَمَا تَشَاؤُونَ} قلنا: الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله دليل على اتصافه به، أو لا؟ ومن هنا قَعَّد أهل السنة والجماعة على أن الأفعال الواردة فالقرآن الكريم والسنة المضافة المسندة إلى الباري جل وعلا هي صفات له، أو لا؟ وجهه أنه جُعِلَ فاعلًا، والفاعل موصوف في المعنى، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} استوى فعل ماضٍ، أليس كذلك؟ نقول: الله تعالى متَّصِفٌ بصفة الاستواء، من أين أخذنا هذه الجملة (متَّصِفٌ بصفة الاستواء) ، الله تعالى ما قال: اتَّصفْتُ بصفة الاستواء، وإنما قال أخبر عن نفسه بأنه {اسْتَوَى} ، نقول: {اسْتَوَى} فعل ماضٍ، وفاعله (هو) ضمير يعود إلى الباري جل وعلا. والقاعدة في لغة العرب باتفاق العقلاء أن الفعل سواء كان مضارعًا كقوله: «ينزل ربنا» أو كان ماضيًا قوله: {أَتَى} أو {اسْتَوَى} كما هو الذي معنا، أن الفعل إذا أُسنِدَ إلى الفاعل دلَّ على أنه هو الذي أحدث الوصف، ومعلوم عند النحاة باتفاق: أن الفاعل يكون وصفًا محدثًا من الفاعل أوجده، وقد يكون قائمًا به، ولذلك قال ابن هشام في (( القطر ) )هناك: واقعًا منه أو قائمًا به. واقعًا منه مثل ماذا؟ ضربتُ زيدًا، ضربتُ وقع الضرب، تعدى، مشى، حينئذٍ منفصل، لكن مات زيد، مات زيد أوقع شيئًا؟ لم يوقع شيئًا، حينئذٍ كل فعل أسند إلى فاعل دل على أن ما اشتُّّّّّق منه الفعل وصف للفاعل، ولذلك اتفقوا البيانيِّون على أنه لا فرق في أصل المعنى بين قام زيد، وزيد قائم، أو لا؟ قام زيد، هذا يدل على ماذا؟ على أن زيد متصف بصفة القيام، ما الذي دلنا على ذلك؟ إسناد الفعل إلى الفاعل، والأصل فيه الحقيقة، ولا يُعدل إلى المجاز إلا بقرينة، حينئذٍ نقول: الإجماع منعقد على أن هذه الأفعال إذا أضِيفت إلى الباري جل وعلا فهي أوصاف حقيقة له جل وعلا، حينئذٍ كل من ادَّعى المجاز في قوله: {وَجَاء رَبُّكَ} نقول: هذا دعوى باطلة يردّها الإجماع، إذ ظواهر النصوص باقية على ظاهرها. هنا قال: {وَمَا تَشَاؤُونَ} أضاف بالفعل المشيئة إلى الواو، {تَشَاؤُونَ} الخطاب هنا للصحابة ومن في حكمهم، حينئذٍ أضاف المشيئة إلى الواو فدل على أن أصحاب الواو لهم مشيئة، أليس كذلك؟ دل على أن أصحاب الواو لهم مشيئة فيوصفون بـ المشيئة، إذًا الصحابة وغيرهم كل مخلوق له مشيئة وله إرادة، {إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} هذا فيه استدرج، بمعنى ماذا؟ ما تشاءون هذا فيه إضافة الفعل إلى الفاعل على جهة الإطلاق، يعني تشاءون أشياء شاءها الله أم؟ لكن بيَّن الباري جل وعلا لأن الواو هنا عامة، حينئذٍ فيه نوع إطلاق، والفعل يُعتبر من المطلق، وفيه شمول حينئذً يُحمل اللفظ على إطلاقه، لكن جاءت {إِلَّا} للدلالة على الاستثناء والإخراج، {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} .