فهرس الكتاب

الصفحة 1654 من 2014

قال ابن القيم: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة. يعني أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا اللفظ ( «أجعلتني لله ندًا» ؟) مع كون الباري جل وعلا قد أثبت للعبد مشيئة، وله جل وعلا مشيئة تليق بجلاله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك القول. فيقول: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة لقوله: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28] فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك؟ ولم يقضِ الله أو لو يجعل الله جل وعلا التوكل على المخلوق، يكون النهي من باب أولى وأحرى، يعني يقصد ابن القيم أن ثَمَّ ألفاظ المعاني والأفعال لم تأت كوصفٍ إلا للباري جل وعلا، والمشيئة جاء وصفها للعبد، فما سُوِّيَ بين ما جاء وصفه للعبد مع مشيئة الله تعالى. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه: ( «أجعلتني لله ندًا» ؟) فكيف بقول: أنا متوكل على الله وعليك؟ ما جاء التوكل على العبد؟ فيكون التنديد من باب أولى وأحرى.

قال رحمه الله تعالى: فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك. وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك. والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، والله وحياة فلان، ونذرًا لله ولفلان، وأن تائب لله وفلان، وأرجو الله وفلانًا. هذه ألفاظ كلها هي من الشرك الأصغر.

قال: فوَازِنْ بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت. ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - من قائل تلك الكلمة، فهذه الألفاظ المذكورات كلها من الشرك الأصغر، وقد تصل إلى الشرك الأكبر، وخاصة في الحسب والتوكل. وإذا كان هذا كلامه - صلى الله عليه وسلم - لمن قال له: ما شاء الله وشئت، فكيف بمن يقول فيه:

فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم

ماذا يقول له النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ما شاء الله وشئت الذي هو الشرك الأصغر، فقال له: ( «أجعلتني لله ندًا» ؟) فكيف بمن يقول: ومن علومك علم اللوح والقلم؟

من باب أولى وأحرى.

وبقوله:

هذه علتي وأنت طبيبي ... ليس يخفى عليك في القلب داء

وهذا كله شرك أكبر مخرج من الملة، هذا كفر صريح، لا يحتمل التأويل البتة، وإن بعضهم اشتغل بتأويله لكن هذا من الأشياء المطرحة.

قوله: «بل، ما شاء الله وحده» . بل هذه للإبطال يعني أبطل ما شاء الله وشئت، ثم أرشده - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يقطع عنه الشرك. وفي رواية: «قل ما شاء الله وحده» . حينئذٍ يكون للوجوب، أرشده النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يقطع عنه الشرك، ولم يُرشده إلى أن يقول: ما شاء ثم شئت مع جوازه. حتى يقطع عنه كل ذريعة عن الشرك وإن بَعُدَت، يعني من باب التأكيد، وإلا كل منهما جائز وإن كان ما شاء الله وحده يُعتبر أعلى مرتبة من قولك: (ما شاء الله ثم شئت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت