وفيه فضيلة معاذ كما نص على ذلك المصنف في المسائل فدل على هاتين المسألتين، كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أردف معاذًا يدل على ماذا؟ على أنه يجوز أن يُردف الشخص ومعه غيره على دابة واحدة، فتكون الدابة حاملة لشخصين، ويجوز ما دام أنه قد جاء الإرداف من جهة الشخص الواحد يجوز الشخصان والثلاثة والأربع والخمس والعشر بشرط ألا يكون مُضِرًّا بالدابة لأنها حيوان والأصل فيها التعامل بالحسنى.
وفيه فضيلة معاذ لأنه قد أردفه النبي - صلى الله عليه وسلم - معه، هذا يدل على أنه خصَّه بهذا الركوب (كنت رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - على حمار) . الحمار هو الحيوان المعروف وهو نوعان: أهليّ، ووحشيّ. والمراد به الأول لأن الثاني لا يُركب، وجمعه حَمِير وأَحْمِرَة وحُمُر، قال تعالى: {والخيل والبغال والحمير} الحَمِير هذا جمع حِمَار كذلك يُجمع على أَحْمِرَة وحُمُر.
ويُعَبَّر عن الجاهل كذلك بالحمار، والحمار قد يكون حيوانًا وقد يكون آدميًّا، الحيوان معروف، والآدمي إذا كان جاهلًا كقوله تعالى {كمثل الحمار يحمل أسفارًا} . يعني هو جاهل يحمل ولا يدري ماذا يحمله. وقال {كأنهم حمر مستنفرة} . انظر هنا معاذ قال: (كنت رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - على حمار) وقد شاع عند الناس اليوم عبارة (أعزك الله) إذا ذُكرت مثل هذه المفردات، وهنا كما ترى وتسمع لم يقل، وقبله كذلك النص القرآني {كمثل الحمار} ، {كمثل الكلب} جاءت هكذا دون أن يُذكر معها لفظ يُرفع من شأن السامع والمستمع، حينئذ نقول: لا غضاضة في أن يُذكر الحيوان كما ذُكر هنا، وكما ذُكر في النص القرآني دون أن يُردف بما قد يُوهم السامع بأنه ليس في مرتبة هذا المذكور. نقول: هذا لا نحتاجه، وهذه عبارة لا أصل لها. إذا لا نحتاج إذا ذُكر هذا اللفظ أن نقول: أعزك الله وأكرمك الله ونحو ذلك، بل توسع بعضهم حتى إذا ذكر المرأة قال: (أعزك الله) . نقول: هذا كله من أمور الجاهلية والعياذ بالله. وفي رواية في (( البخاري ) )اسم الحمار عُفَيْر أهداه إليه المقوقس صاحب مصر، والمقوقس لقب لكل من حكم مصر في ذلك الزمان كما ذكره في (( القاموس ) ).
وفيه تواضعه - صلى الله عليه وسلم - لركوب الحمار والإرداف عليه خلافًا لِمَا عليه أهل الكبر كما قاله المصنف رحمه الله تعالى. [قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو] قال معاذ: (فقال لي) يعني النبي - صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ» . ناداه باسمه، فالنداء بالاسم لا بأس به كذلك، وإن كان شَهِدَ له النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه من أهل العلم، فالنداء بالاسم أو بالكنية لا غضاضة فيه كذلك إلا إذا كان ثَمَّ عُرْفٌ عند الناس بأن العالم لا يُنادي باسمه فحينئذ لا إشكال في ذلك. قوله: ( «أتدري» ) . قال له النبي - صلى الله عليه وسلم: ( «يا معاذ أتدري» ) . هذه الهمزة همزة استفهام، و ( «تدري» ) . هذا فعل مضارع مأخوذ من دَرَى، و (دَرَى) من أخوات (ظَنَّ) فتأتي معنى عَلِمَ، حينئذ ( «أتدري» ) بمعنى أتعلم، ( «أتدري» ) أي أتعلم، ودرى بمعنى علم من أخوات (ظنّ) وهي تستعمل على طريقين عند أهل النحو:
-أحدهما أن يتعدَّى بواحد بالباء نحو قولك: دريت بكذا علمت بكذا، ولذلك سبق أن عَلِمَ يتعدَّى بنفسه ويتعدَّى بحرف الجر وهو الباء، {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14] تعدَّي بماذا؟ بالباء {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [المائدة: 97] يعلم ما في السموات تعدَّي بنفسه. إذًا قد يتعدَّى بنفسه وقد يتعدَّى بحرف، قال: بعضهم إذا عُدِّيَ بحرف حينئذ يُضَمَّنُ معنى ما عُدِّيَ به ذلك الحرف بمعنى أحاط {ألم يعلم بأن الله يرى} ضُمِّنَ يعلم معنى أحاط، وأحاط يتعدَّى كذلك بالباء، دَرَيْتُ بكذا أي علمتُ، فإن دخلت عليه همزة تعدَّى بها لواحدٍ، ولثانٍ بالباء كما في قوله تعالى: {وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ} [يونس: 16] تعدَّى إلى الكاف {أَدْرَاكُم} بالهمزة، و {بِهِ} على أصله، والهاء هذه هي المفعول الثاني، إذا يتعدَّى لواحد بالباء، وقد تدخل عليه الهمزة فيتعدَّى إلى اثنين، الأول: بنفسه، والثاني بالباء.
-والطريق الثاني أن ينصب مفعولين بنفسه - وهذا قليل - ولذلك ذكره ابن مالك رحمه الله تعالى في عَدِّه لأخوات ظن: