انْصِبْ بِفِعْلِ الْقَلْبِ جُزْأَي ابْتِدَا ... أَعْنِي رَأَى خَالَ عَلِمْتُ وَجَدَا
ظَنَّ حَسِبْتُ وزَعَمْتُ مَعَ عَدْ ... حَجَا دَرَى وجَعَلَ اللَّذْ كَاعْتَقَدْ
دَرَى إذًا دَرَى هذه من أخوات (ظنّ) تأتي بمعنى عَلِمَ وتتعدَّى إلى الاثنين وإن كان قليلًا، فيَعَدُّ من أخوات ظَنَّ ولو كان النصب بها مفعولين كما هو الشأن في ظَنَّ قليل، والنصب نصب المفعولين في باب ظن في ظن نفسها هذا كثير، وهو قليل في دَرَى، ومنه قول الشاعر:
دُرِيتَ الوَفِيَّ العَهْدِ يَا عُرْوَ فَاغْتَبِطْ ... فَإِنَّ اغْتِبَاطًا بِالوَفَاءِ حَمِيدُ
دريت الوفي العهدَ العهدُ العهدِ يجوز فيه ثلاثة أوجه، ودُرِيتَ الوَفِيّ، الوفي هو المفعول الثاني، والمفعول الأول؟ نائب فاعل [أحسنت] إذًا دُرِيتَ الوفيَّ تَعَدَّى إلى اثنين، وفي (( التيسير ) ): الدراية هي المعرفة. أتدري أي أتعرف، وهذا على غير بابه، لأن العلم والمعرفة بينهما فرق عند بعض أهل العلم، والعلم هنا المسألة بصيغة الاستفهام أتدري لماذا؟ ليكون أوقع في النفس وأبلغ في فهم المتعلم وحضور قلبه، يعني نوع من أنواع التعلم والتعليم، أن يطرح المعلم المسألة على صيغة سؤال ثم يجيب، وقد يطلب الجواب من المستمع؟ ( «ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله» ) ، ( «أتدري ما حق الله على العباد» ) ، ( «أتدري» ) أنت الفاعل أنت، و ( «ما» ) اسم موصول بمعنى الذي في محل نصب مفعول به، أليس كذلك؟ أتعلم حق الله أو الذي هو حق الله على العباد، فحينئذ تعدَّى هنا دَرَى أو تَدْرِي، تَدْرِي تعدَّى إلى مفعول واحد وهو الذي، وأين المفعول الثاني؟ أو تعدَّى إلى واحد فقط؟ ( «حق» ) إيش إعراب ( «حقّ» ) ؟ مبتدأ، أين خبره؟ [نعم] جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، ( «أتدري ما» ) الذي ( «حق الله على العباد» ) الحق الثابت يعني العباد يعني الكائن على العباد، إذًا مبتدأ وخبر، ( «حق الله على العباد» ) أين العائد؟ على مذهب الكوفيين وهو أن (أل) هنا نائبة عن المضاف إليه، {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 41] مأواه، {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} أي مأواه، حُذِفَ الضمير وهو المضاف إليه وأنيب (أل) منابه، وهذا على مذهب الكوفيين، والبصريين يأبون ذلك. إذًا ( «ما حق الله على العباد» ) . ( «ما» ) هذه اسم موصول بمعنى الذي في محل نصب مفعول به، والحق يقال: أحققت كذا، أي أثبته حقًّا أو حكمت بكونه حقًّا، والحق ضد الباطل، و ( «حق الله على العباد» ) بمعنى ما استحقه الله عز وجل على العباد هو توحيده كما سيأتي تفسيره في النصّ، هو ما يستحقه عليهم جل وعلا ويجعله مُتَحَتِّمًا أو ما أوجبه عليهم فيفسر الحق بمعنى الإيجاب، وما يجب أن يعاملوه به. وقوله: ( «على العباد» ) . هل نقول: عباد جمع عبد بمعنى العبودية عبودية الطاعة، أو نُعَمِّم فنجعلها عامَّة كعبودية القهر وعبودية الطاعة؟ ظاهر النص العموم، ( «حق الله على العباد» ) العباد الذين هم؟ هل هو خاص بالمؤمنين أو بالكفار؟ شامل للنوعين، فيعمّ العبودية عبودية القهر وعبودية الطاعة فهو شامل، وهذا ظاهر النص والله أعلم، فهو عام يشمل عبودية القهر وعبودية الطاعة والفرق بينهما سبق في أول الباب.
قوله: ( «وما حق الله على العباد» ) . إذًا هذا مقابل للسابق، الأول واضح بَيِّن أن الله تعالى له حقّ وواجب على عباده لأنهم مخلوقون وهو الخالق، هو الخالق وهم المخلوقون، ومعلوم أن المخلوق عبد لخالقه جل وعلا، إذا كونه حقًّا عليهم واضح بَيِّن ولا إشكال فيه، وأما ( «وما حق العباد على الله» ) هل العباد لهم حقٌّ على الله تعالى؟ نقول: معناه أنه متحقق لا محالة، لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على توحيده، ووعده حق {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الروم: 6] .